دليل العدو اللدود لتفكيك الدول الشدود

دليل العدو اللدود لتفكيك الدول الشدود

اليوم نتحدث عن واحد من أهم أشكال البروباجندا الخفية، التي أطلق عليها يوري بيزمينوف، الصحفي التابع للمخابرات الروسية “KGB”، والمنشق عن الاتحاد السوفيتي السابق الذي اتجه إلى الولايات المتحدة “أرض الحريات”، اسم “subversion & demoralization”. تعني كلمة “subversion” التخريب، بينما تعني كلمة “demoralization” فقدان الأخلاقيات.

والبروباجندا، بعكس ما يدعو كثير من الناس، لا تتمثل في الحملات الإعلانية والترويجية الضخمة التي تتكلف ملايين الدولارات، إنما هي مجموعة من الممارسات التي تهدف إلى التأثير في الرأي العام، والتلاعب بأفكار الجماهير، وتعديل سلوكهم بصورة ما. في مقال آخر سنلقي الضوء على ماهية البروباجندا ونشأتها.

وقد ألقى بيزمينوف محاضرة مهمة خلال ثمانينيات القرن الماضي تحدث فيها عمّا أسماه “البروباجندا السوفيتية”، وكيف تؤثر هذه البروباجندا في المواطنين الأمريكيين تأثيرًا ضخمًا رغم عدم ملاحظتهم إياه.

بعيدًا عن رواية الصحفي -السوفيتي سابقًا الأمريكي لاحقًا- الحادة ضد وطنه الأم، التي -في رأيي المتواضع- تقع ضمن إطار البروباجندا الأمريكية ضد الشيطان الأحمر، فقد أشار إلى عدد من النقاط المهمة التي يستغلها مروجو البروباجندا في كل مكان وزمان، والتي ربما نكون نحن -هنا والآن- واقعين تحت تأثيرها، الأمر الذي دفع مجتمعاتنا المسلمة/المصرية/العربية إلى التشتت فكريًا، التصارع يوميًا.

الحرب المباشرة أغبى وسائل فَرْض الأيديلوجية

يرى بيزمينوف أن اللجوء إلى الخيار العسكري من أجل تفكيك دولة ما والسيطرة عليها لهو أمر غبي غير مطلوب، ويُرَجِّح أن أغلب أفراد المخابرات الروسية (نحو 85% منهم) يعملون ضمن ما وصفه بالـ”تخريب” أو “Subversion”، وهي وسيلة تخلو من مخاطر الحرب وخسائرها، وهي أيضًا ما يُطلِق عليه آخرون اسم “الحرب الناعمة”.

وطبقًا لبيزمينوف، تحتاج العملية التخريبية تلك ما بين 15 و20 عامًا من أجل تحقيق أهدافها، وهو الزمن الذي يُمكن خلاله تعليم جيل جديد من النشء الأيديولوجية المقترنة في نهاية الأمر بتفكيك الدول داخليًا.

وهو يزعم أن النهاية الحتمية لهذه العملية احتمال من اثنين فقط: الحرب الأهلية أو التعرض إلى الغزو.

الخطوة الأولى: انتزاع الأخلاقيات

كما ذكرنا، تتضمن عملية تخريب الدول طبقًا لبيزمينوف عددًا من الخطوات، أولاهم -وأكثرهم خطورة فيما أرى- انتزاع الأخلاقيات، أو “demoralization”، والمقصود بانتزاع الأخلاق هدم أسس الدين داخل الدولة، من خلال مجموعات تهاجمه، أو تصفه بالعبثية أو اللا منطقية، أو أي شيء آخر. العنصر المهم يَكْمُن في فقدان المواطنين الثقة في الدين ومن يمثلونه، أيًا كان الدين المنظم لحياتهم.

ويبدو أن بيزمينوف يؤمن كثيرًا بدور الدين الأخلاقي، أيًا كان هذا الدين، ففي نهاية محاضرته ذكر أن الحضارات الكبرى القديمة، مثل الحضارة المصرية والبابلية والإنكا، كلها انهارت بفضل التخلي عن المُكَوِن الديني لها.

وإلى جوار هدم الدين، يشير بيزمينوف إلى عدد من المكونات الأساسية داخل المجتمع التي تستهدفها بروباجندا الدولة المُعادية، منها:

  • المجال الاقتصادي

يشير بيزمينوف إلى الرؤية الماركسية المتمثلة في “تبادل المنفعة التجاري”، أي أن شخص يمتلك شيء ما سيستبدله مع شخص ثانٍ يمتلك شيء آخر، ويوضح أن ما يفسد هذا التبادل الطبيعي ما أسماه “الاتحادات التجارية” التي سعت يومًا ما إلى إعادة الحقوق إلى العاملين، لكنها ما لبثت أن تحولت إلى قوة ضخمة تتحكم في اقتصاديات الدول، فتجعلها مترابطة داخليًا وخارجيًا، إلى أن يؤدي نشوب مظاهرات عمالية في مكان ما إلى التأثير سلبًا في حال المدن الكبرى ذات ملايين المواطنين.

  • مجال العمل العام

عادة ما يكون لكل مجتمع ممثلين حكوميين منتخبين هم أصحاب القرارات والآراء، ويشير بيزمينوف إلى أن خطوة من خطوات التخريب تتمثل في ظهور نوع جديد من أصحاب الرأي والفكر ممن يمتلكون تأثيرًا ضخمًا في عوام الناس، وهم أشخاص لم ينتخبهم أحد، وربما يكونون غير محبوبين أيضًا، وضرب بذلك مثلًا وهو الإعلام!

  • المجالان القانوني والتنفيذي

ينتقد بيزمينوف ما تقدمه السينما من صورة سلبية لرجل الشرطة الأمريكي، وظهوره كإنسان غبي، بعكس الصورة الإيجابية التي تقدمها عن المجرم، الذي قد يظهر كإنسان لطيف في آخر المطاف، وهو أمر ينعكس على مدى استقبال الجمهور لطبيعة كلٍ من الفَرْدَين.

دعاية الشركات نوع من أنواع التخريب

ضمَّن بيزمينوف دعاية الشركات الكبرى الهادفة نحو تعزيز استهلاك الأفراد بصورة غير مقبولة، وتساءل: “هل من الممكن أن ترى شركة ما تدعوك إلى عدم الاستهلاك؟”.

ولا أعرف حقيقة هل يقصد بيزمينوف أن هذه الدعاية جزء من التخريب “الخارجي” الذي يشير إليه أم لا، فهو يقول “أن من السخيف تَخَيُل أن المخابرات الروسية تقف خلف الإعلانات الأمريكية الاستهلاكية”، لكنه انتقد بشدة هذه الإعلانات، وأكد أنها تُحَوِل البشر إلى ماكينات استهلاكية.

وفي نهاية حديثه عن هذه الدعاية، طالب بيزمينوف الدولة بتشريع قوانين تمنع ما يُذاع داخل الإعلانات من كلمات تعزز الاستهلاك المفرط، مثل “اشتري أكثر لتوفر!”.

الخطوة الثانية: انعدام الاستقرار

يفترض بيزمينوف أن الدول عادة ما تُجَنِد أفرادًا عدة دخل دول الأعداء، وهؤلاء المُجَنَدين ليسوا -كما يصف ساخرًا- الرفيق إيمانوف من المخابرات الروسية الذي سيقوم بأعمال جيمس بوند ويدمر المدينة، إنما قد يكونوا أي مجموعة من الأفراد، منهم الطلاب والدبلوماسيين ورجال الدين والإعلاميين.

هؤلاء المُجَنَدين يبقون “نائمين” خلال الـ15 إلى 20 سنة، مدة فترة انتزاع الأخلاق، وفي الوقت المناسب نجدهم قد انتفضوا أحياءً من جديد، لكنهم الآن يتقلدون مناصب مهمة داخل الدولة المستهدفة.

وعن هذا الأمر يذكر بيزمينوف مثالًا أجده جديرًا بالذكر، فيشير إلى أن “الشواذ” كانوا يفعلون ما يفعلون في الخفاء، مبتعدين عن الظهور العلني، لكن فجأة تجدهم ظهروا إلى العلن، طالبين الاعتراف بهم ودعمهم، فيبدأ صراع بينهم وبين الشرطة، ثم يظهر لهذه المجموعة مؤيدين ومعارضين، فتتصارع المجموعتان!

أعتقد أن هذا المثل يُمكن تطبيقه حاليًا على عدد من المجموعات، مثل المجموعات النسوية، وما يقابلها من مجموعات ذكورية، كليهما متطرف ويمتلك عددًا ضخمًا من المؤيدين، والمعارضين بالطبع، فتجد منصات التواصل الاجتماعي لا تخلو يومًا من التراشق اللفظي بينهما!

الخطوة الثالثة: الكارثة!

الآن، وبعد أن نجحت مرحلة انتزاع الأخلاق من خلال هدم الأسس الدينية الدقيقة (التي أراها هدفًا يسعى أفراد معروفون إلى تحقيقه)، تتصاعد مرحلة انعدام الاستقرار إلى أن تصل إلى حتمية الصراع بين أفراد المجتمع بوجه عام، ويضرب بيزمينوف بهذا الأمر الأمثال التالية:

  • الزوج يصارع الزوجة -والعكس- نظرًا لاختلاف الرأي.
  • الجار يقاضي جاره لأنه يفعل شيئًا يراه خاطئًا.

وهنا يوضح بيزمينوف أن الدعوة الرئيسية الآن داخل المجتمع ستكون: هيا نتعارك! لنتعارك جميعًا ضد بعضنا بعضًا، فلم يَعُد للتنازل العقلاني والحديث الوِدِّي والتفاوض مجال بين الناس، إنما الحل في العراك!

وهو يؤكد أن أفراد المجتمع -في هذه اللحظة- يصلون إلى حالة من اللا يقين، فهم لا يعرفون كيفية التفريق بين الصواب والخطأ، ولا يدركون يمينًا أو يسارًا، وقد يعانون اللا مبالاة.

نتيجة هذا الوضع المشتعل غير المستقر قد تتعرض الدولة المُسْتَهدَفة إلى نشوب حرب أهلية، أو إلى الغزو بعد أن تفككت وشاط غضب كل من داخلها.

وفي هذه الحال يرى بيزمينوف أن هذا الصراع الداخلي الخطير الذي صار يؤرق المجتمع سيؤدي بالضرورة إلى -كما يصف- البحث عن المُخَلِّص، والمُخَلِّص في هذه الحال قد يكون حكومة أو رجل قوي يأمل المواطنون أن يُعيد الحقوق ويستجلب الأمن.

الخطوة الأخيرة: التطبيع

التطبيع هي الترجمة الحرفية للكلمة التي ذكرها بيزمينوف، وهي “normalization”، وهو يقول أنها مستقاة من الصحف السوفيتية والأمريكية في وصف دخول الدبابات مدينة براج للقضاء للسيطرة على الثورة هناك.

ويتضمن التطبيع تَخَلُّص المنتصر الأخير (فرد/حكومة) من كافة أشكال المعارضة والعملاء، أي أنها خطوة مضادة لانعدام الاستقرار عن طريق فرضه باللين و/أو القوة.

من السخرية أن بيزمينوف يتحدث طوال هذه المحاضرة عن كيف يتعامل الاتحاد السوفيتي وقت ذاك مع الولايات المتحدة الأمريكية، بينما تطبق الأخيرة كافة هذه الخطوات من أجل تدمير أعدائها، وهو ما رأيناه كثيرًا، آخره خلال حرب الكيان الصهيوني مع دولة إيران، حيث حاول الصهاينة والأمريكيين تفكيك الدولة داخليًا واختراقها، وهو ما نجحوا فيه بنسبة كبيرة، لكن المفاجأة أن الشعب الإيراني لم يفقد الثقة في حكومته، ما جعل الدولتين الارهابيتين تعود خطوة إلى الخلف، وإعادة تقييم الموقف!

إن الدرس الرئيسي المستفاد من محاضرة بيزمينوف: فّكِّر جيدًا فيما يُعْرَض عليك من أفكار؛ مع دخول منصات التواصل الاجتماعي إلى عقل كل إنسان، وقبلها الراديو والتلفاز، ازداد عدد من يستطيعون التأثير في أفكارنا، بل وتفكيكها تمامًا.

هؤلاء الأفراد قد يتضمنون أي فرد: رجل يدّعي العلمانية و/أو الليبرالية، والشيخ المُتَدّيِن، والمدرب الرياضي، ومذيع البرامج، والمثقف، والمُغَنِي، والممثل، واللايف كوتش، والمؤثر، وصانع المحتوى، إلخ.

علينا أن نَزِن ما نستقبله من أفكار، فلا نكون كجهاز “الريسيفر” المستقبل للقنوات، لأن الله خلقنا أحرارًا أصحاب عقول، ومن مكونات الإيمان إعمال العقل، الإسلام أمرنا بذلك!

والسلام.

كلمات قيلولية

كلمات قيلولية

أستيقظ ظهرًا أو عصرًا، لا صباحًا، فأجد الشمس قد زاد لهيبها، ولجأت الحيوانات والبشر -من استطاع منها- إلى الاحتماء من القيظ و”الصهد”، فأشعر ببعض الضيق، وكثير من الحرارة غير المبررة.

أبدأ يومي عادة بتصفح الجديد من الأخبار، ولا جديد تحت الشمس -أو خلفها- يُذْكر: العالم يتهاوى، والإنسانية تكاد تعلن انتحارها، وبعض الناس يندد، بينما بضعهم الآخر يشجب، ومباراة كرة قدم قد انتهت، وقرار سياسي قد اتخذه شخص ما بلا هدف، وأزمات اقتصادية تلوح في الأفق، وحملات ممنهجة من التخويف ونشر الرعب عبر التحدث عن مجموعة من الظواهر الجوية والأرضية والفضائية التي تعني قُرْب انتهاء العالم، والتي يؤكد مروجوها أنهم متأكدون تمامًا من حتمية حدوثها، بل قد يُرفقون بهذه النبوءات المصادر الموثوقة تمامًا بنسبة 100%، مثل شاب “مُفَلْتَر” يظهر بجانب بعض الأجهزة!

تناولت القهوة التي يفقد اليوم “عقله” دونها، وشعرت حقًا بالاطمئنان بعد أن عثرت على كل شيء في العالم كما هو، لم يزد شيئًا ولم ينقص: نفس الأحداث والمهاترات والجرائم والتعليقات.

الخطوة التالية إذًا الشروع في العمل وتنفيذ ما تأخرت عن تنفيذه، لكنني أجد الكلمات “واقفة في زوري” وعلى “طرف لساني” راغبة في الخروج، وكي لا أُصاب بإمساك الكلمات أخرجتها، فخرجت مسرعة ككلب يسعى خلف قط، لا تعرف إلى أين تذهب، ولا أعرف ماذا تريد!

هل انتهى الأمر الآن؟ ربما! بعد أن خرجت الكلمات من الفم إلى الكيبورد مباشرة أطمح في أن أعود إلى ما علي من أعمال، دون النظر إلى هذا العالم المتساقط، فلا طائل من فرط متابعة أحداثه، ولن يصيبنا بهذه المتابعة إلا خسارا.

لم أقتنع حقًا بكلماتي الأخيرة! ولن أقتنع، لكنني سأحاول ترتيب كلماتي من جديد، فربما تخرج المرة القادمة منمقة مرتبة كسائر الكلمات المنمقة المرتبة التي تتناقلها ألسنة أولئك الذين يعيشون في كوكبنا من بشر، فيتطلع عليها البشر الباقون ويؤكدون أنهم عرفوا الأسرار من مصادرها الوحيدة.

وأعود فأقول: لمَ نستيقظ مبكرًا، والحال هو الحال بلا جدال؟

كلمات قيلولية

كلمات قيلولية

أستيقظ ظهرًا أو عصرًا، لا صباحًا، فأجد الشمس قد زاد لهيبها، ولجأت الحيوانات والبشر -من استطاع منها- إلى الاحتماء من القيظ و”الصهد”، فأشعر ببعض الضيق، وكثير من الحرارة غير المبررة.

أبدأ يومي عادة بتصفح الجديد من الأخبار، ولا جديد تحت الشمس -أو خلفها- يُذْكر: العالم يتهاوى، والإنسانية تكاد تعلن انتحارها، وبعض الناس يندد، بينما بضعهم الآخر يشجب، ومباراة كرة قدم قد انتهت، وقرار سياسي قد اتخذه شخص ما بلا هدف، وأزمات اقتصادية تلوح في الأفق، وحملات ممنهجة من التخويف ونشر الرعب عبر التحدث عن مجموعة من الظواهر الجوية والأرضية والفضائية التي تعني قُرْب انتهاء العالم، والتي يؤكد مروجوها أنهم متأكدون تمامًا من حتمية حدوثها، بل قد يُرفقون بهذه النبوءات المصادر الموثوقة تمامًا بنسبة 100%، مثل شاب “مُفَلْتَر” يظهر بجانب بعض الأجهزة!

تناولت القهوة التي يفقد اليوم “عقله” دونها، وشعرت حقًا بالاطمئنان بعد أن عثرت على كل شيء في العالم كما هو، لم يزد شيئًا ولم ينقص: نفس الأحداث والمهاترات والجرائم والتعليقات.

الخطوة التالية إذًا الشروع في العمل وتنفيذ ما تأخرت عن تنفيذه، لكنني أجد الكلمات “واقفة في زوري” وعلى “طرف لساني” راغبة في الخروج، وكي لا أُصاب بإمساك الكلمات أخرجتها، فخرجت مسرعة ككلب يسعى خلف قط، لا تعرف إلى أين تذهب، ولا أعرف ماذا تريد!

هل انتهى الأمر الآن؟ ربما! بعد أن خرجت الكلمات من الفم إلى الكيبورد مباشرة أطمح في أن أعود إلى ما علي من أعمال، دون النظر إلى هذا العالم المتساقط، فلا طائل من فرط متابعة أحداثه، ولن يصيبنا بهذه المتابعة إلا خسارا.

لم أقتنع حقًا بكلماتي الأخيرة! ولن أقتنع، لكنني سأحاول ترتيب كلماتي من جديد، فربما تخرج المرة القادمة منمقة مرتبة كسائر الكلمات المنمقة المرتبة التي تتناقلها ألسنة أولئك الذين يعيشون في كوكبنا من بشر، فيتطلع عليها البشر الباقون ويؤكدون أنهم عرفوا الأسرار من مصادرها الوحيدة.

وأعود فأقول: لمَ نستيقظ مبكرًا، والحال هو الحال بلا جدال؟

حصاد شهر في غزة: تجويع.. وقتل المواطنين قبل حصولهم على فتات الطعام.. ولا تعليق من جانب قواد المنطقة

حصاد شهر في غزة: تجويع.. وقتل المواطنين قبل حصولهم على فتات الطعام.. ولا تعليق من جانب قواد المنطقة

نشرت صحيفة هآرتس في السابع والعشرين من يونيو المنصرم مقالًا بعنوان: “إنه ميدان قتل: جيش الاحتلال يأمر جنوده بقتل منتظري الحصول على المعونات الإنسانية”. تناول المقال شهادات عدة من قِبَل جنود جيش الاحتلال وضباطه، التي تضمن بعضها التالي:

“إنها ساحة قتل”. “في المكان الذي كنت متمركزاً فيه، كان يُقتل بين شخص واحد وخمسة أشخاص يومياً. يُعاملون كقوة معادية – لا توجد إجراءات للسيطرة على الحشود، لا غاز مسيل للدموع – فقط إطلاق نار حي بكل ما يمكن تصوره: رشاشات ثقيلة، قاذفات قنابل، هاونات. ثم، بمجرد فتح المركز، يتوقف إطلاق النار، ويعلمون أنهم يمكنهم الاقتراب. شكل تواصلنا هو إطلاق النار.”

“نفتح النار في الصباح الباكر إذا حاول شخص ما الدخول إلى الصف من على بعد مئات الأمتار، وأحياناً نندفع نحوهم من مسافة قريبة. لكن لا يوجد خطر على القوات.” “لست على علم بأي حالة رد نار. لا يوجد عدو، لا أسلحة.”

“لم تعد غزة تهم أحداً بعد الآن”. “لقد أصبحت مكاناً له قواعده الخاصة. فقدان الأرواح البشرية لا يعني شيئاً. لم يعد حتى ‘حادثاً مؤسفاً’ كما كانوا يقولون سابقاً.”

“العمل مع السكان المدنيين عندما يكون وسيلتك الوحيدة للتفاعل هي إطلاق النار – هذا أمر إشكالي للغاية، على أقل تقدير”، قال لصحيفة هآرتس. “ليس من المقبول أخلاقياً أو معنوياً أن يضطر الناس للوصول إلى، أو الفشل في الوصول إلى، [منطقة إنسانية] تحت نيران الدبابات والقناصة وقذائف الهاون.”

“في الليل، نفتح النار لإشارة للسكان أن هذه منطقة قتال ويجب ألا يقتربوا”. وأضاف: “مرة واحدة، توقف إطلاق قذائف الهاون، ورأينا الناس يبدأون بالاقتراب. لذا استأنفنا إطلاق النار لتوضيح أنهم غير مسموح لهم. في النهاية، سقطت إحدى القذائف على مجموعة من الناس.”

“لواء قتالي لا يمتلك الأدوات اللازمة للتعامل مع السكان المدنيين في منطقة حرب. إطلاق قذائف الهاون لإبعاد الجياع ليس مهنياً ولا إنسانياً. أعلم أن هناك عناصر من حماس بينهم، لكن هناك أيضاً أشخاصاً يريدون فقط تلقي المساعدة. كدولة، لدينا مسؤولية لضمان حدوث ذلك بأمان.”

قال مقاتل مخضرم: “في وقت سابق من هذا الشهر، كانت هناك حالات تم فيها إعلامنا برسالة تفيد بأن المركز سيفتح في فترة بعد الظهر، وجاء الناس في الصباح الباكر ليكونوا أول من يصطف للحصول على الطعام. وبسبب وصولهم مبكراً جداً، تم إلغاء التوزيع في ذلك اليوم.”

“عندما سألنا لماذا أطلقوا النار، قيل لنا إنه أمر من الأعلى وأن المدنيين شكلوا تهديداً للقوات. أستطيع أن أقول بثقة أن الناس لم يكونوا قريبين من القوات ولم يشكلوا خطراً عليها. كان الأمر بلا جدوى – لقد قُتلوا فقط، بلا سبب. هذا الشيء المسمى قتل الأبرياء – لقد أصبح أمراً طبيعياً. كنا نُخبر باستمرار أنه لا يوجد غير مقاتلين في غزة، ويبدو أن هذه الرسالة استقرت بين القوات.”

جدير بالذكر أن صحيفة “تايمز أوف إسرائيل”، أحد أكثر صحف إسرائيل دفاعًا عن حكومتها وجيشها، اعترفت -على مضض- باستشهاد نحو 500 فلسطيني لدى نقاط توزيع المساعدات، وهي الوفيات التي تقع بمعدل يومي منذ تفعيل عمل “مؤسسة غزة الإنسانية” التي تديرها الولايات المتحدة ويحميها جيش الاحتلال.

وخلال شهر يونيو وحده، اُسْتُشْهِدَ ما يقرب من 2150 إنسانًا في غزة، ما بين رجل وامرأة وطفل وطبيب وصحفي، ويعود هذا الرقم التقريبي إلى مبادرة تقنية باسم “تك فور بالستاين” (Tech4Palestine)، وهي مبادرة تهدف إلى رصد تأثير اعتداءات المحتل، وهو ما يعني استشهاد نحو 70 فلسطينيًا يوميًا.

ولم تخرج تعليقات “جديدة” أو “ذات مغزى” من القادة العرب بمختلف درجات مسؤولياتهم، فلم نجد إلا تصريح السفير جمال رشدي -المتحدث باسم جامعة الدول العربية- الذي رحب بتوقف إطلاق النار بين إيران ودولة الاحتلال، “آملًا” في توقف اعتداءات الكيان المحتل على غزة.

بينما علق الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية المصري، على تصريحات بعض قادة الاحتلال المتطرفة عن تغيير الشرق الأوسط، فقال: “تعليقي على هذه التصريحات بأنها أوهام نظرية.. منطقة الشرق الأوسط بها أطراف فاعلة وأي حديث عن الأمن الإقليمي مرهون بإرادة الدول الموجودة في الإقليم وليس بإرادة دولة بمفردها”.

وأضاف: “لا يمكن لأي قوة أن تفرض بمفردها إرادتها على المنطقة مهما كانت قوتها أو ما تحظى به من دعم دولي، لافتاً إلى تجارب حديثة برهنت على أن غطرسة القوة لم تحقق الأمن الكامل لإسرائيل”.

ولم أجد مزيدًا من التعليقات عن الكوارث الحادثة يوميًا داخل القطاع المنكوب!

وقبيل نهاية الشهر، أبَى الاحتلال أن يمر اليوم دون تكرار مجزرة جديدة، قام بها هذه المرة في “كافيتيريا” قريبة من البحر، استشهد بسببها ثلاثون فلسطينيًا.

كان من بين الشهداء الفنانة الفلسطينية “فرانس السلمي”، وأصيبت الصحفية بيان أبو سلطان، وهذه صور منقولة عن منصة إكس بشأن هذه أحداث اليوم السابق.

ولأنني لا أجد كثيرًا من التعليقات عن الوضع المأساوي في غزة من قِبَل مؤثرينا ومسؤولينا، سأنشر بعضًا من تعليقات الأخوة في الغرب.

الصحفية الأمريكية “أبي مارتن” تقول: “هذه الصورة المروعة من غزة أمس يجب أن تكون على الصفحة الأولى من الأخبار – أشخاص يسحبون الجثث من حفرة بعد أن قصفت إسرائيل عائلات في الخيام. بالكاد تم تسجيل ذلك لأن ذبح الفلسطينيين أصبح روتينًا يوميًا”.

وتستمر فرانشسكا ألبانيز، المقررة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بتأكيد الفظائع التي يرتكبها الاحتلال على مسمع جميع الناس ومرآهم، وقد قالت يوم 30 يونيو:

“آلة القتل الإسرائيلية لا تعرف الرحمة. لا يمر يوم واحد دون وقوع مذبحة واحدة على الأقل”.

Famine in Gaza Decimates Current Generation and Threatens the Next

Famine in Gaza Decimates Current Generation and Threatens the Next

[Cairo] Only dozens of aid trucks, several of which were looted by settlers, are what Israeli occupation authorities recently allowed into Gaza to provide relief to two million Palestinians.

After 19 months of the occupier’s aggression against the Strip, and after imposing starvation that has exceeded two months on the vulnerable men, women, and children; to harvest scores of lives from those who cannot find a way out or guidance in the face of a complete siege that prevents the movement of all food aid.

The danger threatens the lives of newborns and young children, and will claim more Palestinian lives unless the situation is addressed by allowing hundreds of trucks daily, not the meager number that neither satisfies nor alleviates hunger – the amount Israel permitted to enter over the past two days.

Gaza is sliding into famine affecting all residents of the Strip, numbering about 2.1 million people, who are now at the fourth level on a hunger scale established by the “Integrated Food Security Phase Classification” report.

The report issued on May 12 to assess the food situation in the Strip predicted that about 470,000 people would starve to the point of “catastrophe” (the fifth level, the worst and lowest in the classification scale) during the period from May 11 to the end of September 2025.

The report provided an indication of another important classification for monitoring “acute malnutrition,” which also has 5 levels, with different areas of the Strip within the second and third levels. However, projections indicate the possibility of some areas like northern Gaza and Rafah reaching the fourth level by the end of next September.

In Rafah, the director of Kuwait Specialized Hospital, Suhaib al-Hams, points to the depletion of 85% of medicines there, then talks about the absence of any food.

Al-Hams tells SciDev.Net: “We don’t have even one loaf of bread, whether for patients or medical staff.”

He continues: “The hospital receives about 4,000 patients daily who collapse on the ground due to emaciation and weakness, and we no longer find blood donors because the vast majority suffer from anemia.”

The medical team faces not only drug shortages and hunger, but the displaced persons’ tents adjacent to the hospital are bombed around the clock, causing various damages to its building, which the team seeks to repair with their limited resources.

UN experts and human rights organizations describe the occupation’s practices as “using starvation as a weapon.”

These practices led to the cessation of the twenty-five bakeries supported by the World Food Programme in late March, and on April 25, the last remaining food stock designated to support kitchens providing hot meals to needy families was consumed, according to a UNICEF statement issued on May 12.

Within the very limited available resources, the organization continues to provide water and nutrition services, according to Jonathan Crickx, Director of Communication at UNICEF, Palestine.

Crickx tells SciDev.Net: “However, our stock of malnutrition prevention supplies has run out, and supplies designated for treating acute malnutrition cases have become extremely low.”

He continues: “At the beginning of 2025, experts estimated that about 60,000 children need treatment, and now the vast majority of children in Gaza face severe food deprivation.”

Crickx fears the consequences of continuing the complete siege and acute shortage of necessary survival supplies; these are matters that “may push food insecurity, acute malnutrition, and mortality rates beyond the famine threshold in the coming months,” also attributing this to “severely limited access to health services, and acute shortage of clean water and sewage networks.”

Objecting indignantly, Crickx says: “There are more than 116,000 metric tons of food aid already in relief corridors ready for entry, an amount sufficient to feed one million people for four months.”

Long-term Health Impacts

“Current famine and chronic malnutrition in Gaza represent a serious and direct threat to children’s health, especially those under five and newborns,” according to nutrition professor Hazem Agha, Dean of the School of Public Health at Al-Quds University.

Agha explains: “Because they leave lasting effects, most notably delayed physical and mental growth due to deficiency of essential nutrients such as proteins, iron, zinc, and iodine, which may lead to stunting, in addition to delayed mental, linguistic, and motor development.”

Malnutrition in children also weakens the immune system, making them more susceptible to fatal infectious diseases such as diarrhea and pneumonia, especially in a war environment that promotes their spread, according to Agha.

Agha continues: “Malnutrition of mothers during pregnancy, as well as children during the first months after birth, permanently affects brain formation and function efficiency.”

This statement is agreed upon by Alaa al-Din al-Feqqi, professor of obstetrics and gynecology at the Faculty of Medicine at Ain Shams University in Egypt, who confirms that the mother’s lack of good nutrition increases the likelihood of premature birth and leaves lasting effects on the child throughout their life.

Al-Feqqi tells the network: “The causes of premature birth are due to placental weakness resulting from the mother’s malnutrition, which means its inability to nourish the fetus and provide it with the oxygen necessary for its life.”

Al-Feqqi confirms that premature babies are more susceptible to death and need equipped incubators to preserve their lives. Human Rights Watch previously documented the presence of 5 children in one incubator due to the disruption or damage of most incubators inside the Gaza Strip.

The long-term effects of premature babies – as Al-Feqqi explains – include “mental, cognitive, and motor complications, and problems related to normal physical growth, so the child becomes smaller in size, weaker in strength, and shorter, in addition to weakened senses and cognitive abilities.”

Al-Feqqi confirms that these effects “will not be erased by allowing 5 to 6 trucks daily, and these effects may continue for decades reaching 50 or 60 years, making it difficult to repair what the occupation has destroyed.”

Path to Recovery

Agha acknowledges the seriousness of current damage due to continued malnutrition and famine, confirming the difficulty of treating it completely, but he sees a glimmer of hope if urgent and effective intervention is available.

Agha emphasizes “the necessity of providing high-energy nutritional supplements rich in essential elements to treat children with acute malnutrition, in addition to providing appropriate nutrition programs for pregnant women and postpartum health services.”

Agha confirms that the beginning of recovery requires ensuring unobstructed access to humanitarian aid, rebuilding health and food infrastructure, and eliminating the sewage problem, which “will not be achieved without stopping the war and requires international cooperation.”

Crickx confirms this approach: “Thousands of children affected by acute malnutrition in the Strip urgently need therapeutic foods, instant milk, and complementary foods.”

Al-Hams directs an appeal to all officials: “The issue is not just famine and malnutrition. What is required now is to stop the waterfall of Palestinian blood. We are establishing proof before God so that each individual bears their responsibility.”

This article was produced through the regional office of SciDev.Net for the Middle East and North Africa region.