اليوم نتحدث عن واحد من أهم أشكال البروباجندا الخفية، التي أطلق عليها يوري بيزمينوف، الصحفي التابع للمخابرات الروسية “KGB”، والمنشق عن الاتحاد السوفيتي السابق الذي اتجه إلى الولايات المتحدة “أرض الحريات”، اسم “subversion & demoralization”. تعني كلمة “subversion” التخريب، بينما تعني كلمة “demoralization” فقدان الأخلاقيات.
والبروباجندا، بعكس ما يدعو كثير من الناس، لا تتمثل في الحملات الإعلانية والترويجية الضخمة التي تتكلف ملايين الدولارات، إنما هي مجموعة من الممارسات التي تهدف إلى التأثير في الرأي العام، والتلاعب بأفكار الجماهير، وتعديل سلوكهم بصورة ما. في مقال آخر سنلقي الضوء على ماهية البروباجندا ونشأتها.
وقد ألقى بيزمينوف محاضرة مهمة خلال ثمانينيات القرن الماضي تحدث فيها عمّا أسماه “البروباجندا السوفيتية”، وكيف تؤثر هذه البروباجندا في المواطنين الأمريكيين تأثيرًا ضخمًا رغم عدم ملاحظتهم إياه.
بعيدًا عن رواية الصحفي -السوفيتي سابقًا الأمريكي لاحقًا- الحادة ضد وطنه الأم، التي -في رأيي المتواضع- تقع ضمن إطار البروباجندا الأمريكية ضد الشيطان الأحمر، فقد أشار إلى عدد من النقاط المهمة التي يستغلها مروجو البروباجندا في كل مكان وزمان، والتي ربما نكون نحن -هنا والآن- واقعين تحت تأثيرها، الأمر الذي دفع مجتمعاتنا المسلمة/المصرية/العربية إلى التشتت فكريًا، التصارع يوميًا.
الحرب المباشرة أغبى وسائل فَرْض الأيديلوجية
يرى بيزمينوف أن اللجوء إلى الخيار العسكري من أجل تفكيك دولة ما والسيطرة عليها لهو أمر غبي غير مطلوب، ويُرَجِّح أن أغلب أفراد المخابرات الروسية (نحو 85% منهم) يعملون ضمن ما وصفه بالـ”تخريب” أو “Subversion”، وهي وسيلة تخلو من مخاطر الحرب وخسائرها، وهي أيضًا ما يُطلِق عليه آخرون اسم “الحرب الناعمة”.
وطبقًا لبيزمينوف، تحتاج العملية التخريبية تلك ما بين 15 و20 عامًا من أجل تحقيق أهدافها، وهو الزمن الذي يُمكن خلاله تعليم جيل جديد من النشء الأيديولوجية المقترنة في نهاية الأمر بتفكيك الدول داخليًا.
وهو يزعم أن النهاية الحتمية لهذه العملية احتمال من اثنين فقط: الحرب الأهلية أو التعرض إلى الغزو.
الخطوة الأولى: انتزاع الأخلاقيات
كما ذكرنا، تتضمن عملية تخريب الدول طبقًا لبيزمينوف عددًا من الخطوات، أولاهم -وأكثرهم خطورة فيما أرى- انتزاع الأخلاقيات، أو “demoralization”، والمقصود بانتزاع الأخلاق هدم أسس الدين داخل الدولة، من خلال مجموعات تهاجمه، أو تصفه بالعبثية أو اللا منطقية، أو أي شيء آخر. العنصر المهم يَكْمُن في فقدان المواطنين الثقة في الدين ومن يمثلونه، أيًا كان الدين المنظم لحياتهم.
ويبدو أن بيزمينوف يؤمن كثيرًا بدور الدين الأخلاقي، أيًا كان هذا الدين، ففي نهاية محاضرته ذكر أن الحضارات الكبرى القديمة، مثل الحضارة المصرية والبابلية والإنكا، كلها انهارت بفضل التخلي عن المُكَوِن الديني لها.
وإلى جوار هدم الدين، يشير بيزمينوف إلى عدد من المكونات الأساسية داخل المجتمع التي تستهدفها بروباجندا الدولة المُعادية، منها:
-
المجال الاقتصادي
يشير بيزمينوف إلى الرؤية الماركسية المتمثلة في “تبادل المنفعة التجاري”، أي أن شخص يمتلك شيء ما سيستبدله مع شخص ثانٍ يمتلك شيء آخر، ويوضح أن ما يفسد هذا التبادل الطبيعي ما أسماه “الاتحادات التجارية” التي سعت يومًا ما إلى إعادة الحقوق إلى العاملين، لكنها ما لبثت أن تحولت إلى قوة ضخمة تتحكم في اقتصاديات الدول، فتجعلها مترابطة داخليًا وخارجيًا، إلى أن يؤدي نشوب مظاهرات عمالية في مكان ما إلى التأثير سلبًا في حال المدن الكبرى ذات ملايين المواطنين.
-
مجال العمل العام
عادة ما يكون لكل مجتمع ممثلين حكوميين منتخبين هم أصحاب القرارات والآراء، ويشير بيزمينوف إلى أن خطوة من خطوات التخريب تتمثل في ظهور نوع جديد من أصحاب الرأي والفكر ممن يمتلكون تأثيرًا ضخمًا في عوام الناس، وهم أشخاص لم ينتخبهم أحد، وربما يكونون غير محبوبين أيضًا، وضرب بذلك مثلًا وهو الإعلام!
-
المجالان القانوني والتنفيذي
ينتقد بيزمينوف ما تقدمه السينما من صورة سلبية لرجل الشرطة الأمريكي، وظهوره كإنسان غبي، بعكس الصورة الإيجابية التي تقدمها عن المجرم، الذي قد يظهر كإنسان لطيف في آخر المطاف، وهو أمر ينعكس على مدى استقبال الجمهور لطبيعة كلٍ من الفَرْدَين.
دعاية الشركات نوع من أنواع التخريب
ضمَّن بيزمينوف دعاية الشركات الكبرى الهادفة نحو تعزيز استهلاك الأفراد بصورة غير مقبولة، وتساءل: “هل من الممكن أن ترى شركة ما تدعوك إلى عدم الاستهلاك؟”.
ولا أعرف حقيقة هل يقصد بيزمينوف أن هذه الدعاية جزء من التخريب “الخارجي” الذي يشير إليه أم لا، فهو يقول “أن من السخيف تَخَيُل أن المخابرات الروسية تقف خلف الإعلانات الأمريكية الاستهلاكية”، لكنه انتقد بشدة هذه الإعلانات، وأكد أنها تُحَوِل البشر إلى ماكينات استهلاكية.
وفي نهاية حديثه عن هذه الدعاية، طالب بيزمينوف الدولة بتشريع قوانين تمنع ما يُذاع داخل الإعلانات من كلمات تعزز الاستهلاك المفرط، مثل “اشتري أكثر لتوفر!”.
الخطوة الثانية: انعدام الاستقرار
يفترض بيزمينوف أن الدول عادة ما تُجَنِد أفرادًا عدة دخل دول الأعداء، وهؤلاء المُجَنَدين ليسوا -كما يصف ساخرًا- الرفيق إيمانوف من المخابرات الروسية الذي سيقوم بأعمال جيمس بوند ويدمر المدينة، إنما قد يكونوا أي مجموعة من الأفراد، منهم الطلاب والدبلوماسيين ورجال الدين والإعلاميين.
هؤلاء المُجَنَدين يبقون “نائمين” خلال الـ15 إلى 20 سنة، مدة فترة انتزاع الأخلاق، وفي الوقت المناسب نجدهم قد انتفضوا أحياءً من جديد، لكنهم الآن يتقلدون مناصب مهمة داخل الدولة المستهدفة.
وعن هذا الأمر يذكر بيزمينوف مثالًا أجده جديرًا بالذكر، فيشير إلى أن “الشواذ” كانوا يفعلون ما يفعلون في الخفاء، مبتعدين عن الظهور العلني، لكن فجأة تجدهم ظهروا إلى العلن، طالبين الاعتراف بهم ودعمهم، فيبدأ صراع بينهم وبين الشرطة، ثم يظهر لهذه المجموعة مؤيدين ومعارضين، فتتصارع المجموعتان!
أعتقد أن هذا المثل يُمكن تطبيقه حاليًا على عدد من المجموعات، مثل المجموعات النسوية، وما يقابلها من مجموعات ذكورية، كليهما متطرف ويمتلك عددًا ضخمًا من المؤيدين، والمعارضين بالطبع، فتجد منصات التواصل الاجتماعي لا تخلو يومًا من التراشق اللفظي بينهما!
الخطوة الثالثة: الكارثة!
الآن، وبعد أن نجحت مرحلة انتزاع الأخلاق من خلال هدم الأسس الدينية الدقيقة (التي أراها هدفًا يسعى أفراد معروفون إلى تحقيقه)، تتصاعد مرحلة انعدام الاستقرار إلى أن تصل إلى حتمية الصراع بين أفراد المجتمع بوجه عام، ويضرب بيزمينوف بهذا الأمر الأمثال التالية:
- الزوج يصارع الزوجة -والعكس- نظرًا لاختلاف الرأي.
- الجار يقاضي جاره لأنه يفعل شيئًا يراه خاطئًا.
وهنا يوضح بيزمينوف أن الدعوة الرئيسية الآن داخل المجتمع ستكون: هيا نتعارك! لنتعارك جميعًا ضد بعضنا بعضًا، فلم يَعُد للتنازل العقلاني والحديث الوِدِّي والتفاوض مجال بين الناس، إنما الحل في العراك!
وهو يؤكد أن أفراد المجتمع -في هذه اللحظة- يصلون إلى حالة من اللا يقين، فهم لا يعرفون كيفية التفريق بين الصواب والخطأ، ولا يدركون يمينًا أو يسارًا، وقد يعانون اللا مبالاة.
نتيجة هذا الوضع المشتعل غير المستقر قد تتعرض الدولة المُسْتَهدَفة إلى نشوب حرب أهلية، أو إلى الغزو بعد أن تفككت وشاط غضب كل من داخلها.
وفي هذه الحال يرى بيزمينوف أن هذا الصراع الداخلي الخطير الذي صار يؤرق المجتمع سيؤدي بالضرورة إلى -كما يصف- البحث عن المُخَلِّص، والمُخَلِّص في هذه الحال قد يكون حكومة أو رجل قوي يأمل المواطنون أن يُعيد الحقوق ويستجلب الأمن.
الخطوة الأخيرة: التطبيع
التطبيع هي الترجمة الحرفية للكلمة التي ذكرها بيزمينوف، وهي “normalization”، وهو يقول أنها مستقاة من الصحف السوفيتية والأمريكية في وصف دخول الدبابات مدينة براج للقضاء للسيطرة على الثورة هناك.
ويتضمن التطبيع تَخَلُّص المنتصر الأخير (فرد/حكومة) من كافة أشكال المعارضة والعملاء، أي أنها خطوة مضادة لانعدام الاستقرار عن طريق فرضه باللين و/أو القوة.
من السخرية أن بيزمينوف يتحدث طوال هذه المحاضرة عن كيف يتعامل الاتحاد السوفيتي وقت ذاك مع الولايات المتحدة الأمريكية، بينما تطبق الأخيرة كافة هذه الخطوات من أجل تدمير أعدائها، وهو ما رأيناه كثيرًا، آخره خلال حرب الكيان الصهيوني مع دولة إيران، حيث حاول الصهاينة والأمريكيين تفكيك الدولة داخليًا واختراقها، وهو ما نجحوا فيه بنسبة كبيرة، لكن المفاجأة أن الشعب الإيراني لم يفقد الثقة في حكومته، ما جعل الدولتين الارهابيتين تعود خطوة إلى الخلف، وإعادة تقييم الموقف!
إن الدرس الرئيسي المستفاد من محاضرة بيزمينوف: فّكِّر جيدًا فيما يُعْرَض عليك من أفكار؛ مع دخول منصات التواصل الاجتماعي إلى عقل كل إنسان، وقبلها الراديو والتلفاز، ازداد عدد من يستطيعون التأثير في أفكارنا، بل وتفكيكها تمامًا.
هؤلاء الأفراد قد يتضمنون أي فرد: رجل يدّعي العلمانية و/أو الليبرالية، والشيخ المُتَدّيِن، والمدرب الرياضي، ومذيع البرامج، والمثقف، والمُغَنِي، والممثل، واللايف كوتش، والمؤثر، وصانع المحتوى، إلخ.
علينا أن نَزِن ما نستقبله من أفكار، فلا نكون كجهاز “الريسيفر” المستقبل للقنوات، لأن الله خلقنا أحرارًا أصحاب عقول، ومن مكونات الإيمان إعمال العقل، الإسلام أمرنا بذلك!
والسلام.






