المبادرات العلمية في مصر.. من الماضي إلى المستقبل

المبادرات العلمية في مصر.. من الماضي إلى المستقبل

شاء الله سبحانه وتعالى أن يخلق الإنسان حرا مبادرا، ألا ترى إلى طفلك الرضيع عندما يستطيع أن يمسك شيئا بيده يحرص على أن تكون الحرية في تناول الطعام أو رفضه. فإذا شب عن الطوق واستطاع أن يمشي على رجليه يتفلت من بين أيدي والديه يريد أن يسعى على الأرض أو يجري في طرقاتها، حريصا بهذا السلوك أو ذاك على تأكيد سمات الحرية والمبادرة المتأصلة في جيناته، وحينها لا يبقى من الأبوين الحكيمين إلا أن يبقوا أعينهم تحرس طفلهم دون أن تقيد حريته، تمنعه فقط وهو في هذه السن الصغيرة إذا أوردته حريته موارد التهلكة.

والمجتمعات والشعوب في سلوكياتها الاجتماعية ومبادراتها الناجحة تعبر دائما عن هاتين السمتين الفطريتين. وقد حفل تاريخنا البعيد والقريب بنماذج من المبادرات التي عبرت أفضل تعبير عن ذلك.

ففي تاريخنا البعيد رأينا نماذج شتى لمؤسسة “الوقف” وتنوع واتساع مجالات عملها. والوقف كما يعرف هو حبس للأصل، وتسبيل للثمرة، لذا سمي في المغرب العربي باسم الحبوس. وقد قال العلماء في الوقف إن “شرط الواقف كنص الشارع”، ما يعني أن إرادة الواقف يجب أن تبقى حرة في تحديد كيف يتم تسبيل الثمرة. وقد رأينا في الحضارة الغربية كيف كانت المؤسسات الشبيهة بالأوقاف مما يسمى بالـ trusts or foundations أدوات حاضنة لنشأة أعظم الجامعات والمؤسسات البحثية التي تحقق مصالح الناس، وربما تحتاج مؤسسات الأوقاف في بلادنا العربية والإسلامية إلى أن تتطور في فكرها الإداري والاستثماري وآفاق تسبيل الثمرات لديها مع رفع ما يقيد حرية إرادتها حتى تؤتي ثمارها المرجوة في تطوير مجتمعاتنا.

أما في تاريخنا الحديث، فقد عرفت مصر الأشكال الجديدة للمبادرات ممثلة أولا في الجمعيات الأهلية المصرية، والتي كان للإمام محمد عبده دورا رائدا فيها ، دعوة إليها، وتأسيسا وإدارة لها، وكانت “الجمعية الخيرية الإسلامية” هي درة تلك الجمعيات، والتي تأسس في ظلها أول مستشفى أهلي مصري.

كما عرفت مصر بزعامة مصطفى كامل تأسيس أول منتدى لطلاب وخريجي المدارس العليا في مصر، وهو نادي المدارس العليا الذي تأسس عام 1905، والذي كان يتداول في شئون الأمة المصرية في ظل الاحتلال البريطاني.

وفضلا عن دور النادي في شحذ الروح الوطنية المتطلعة للاستقلال فقد كان أيضا “منبتا لمشاريع نهضة مصر”، فمنه خرجت عدة مشاريع كانت تستهدف النهوض بكافة طوائف الشعب المصري، منها: مدارس الشعب الليلية، وهي مدارس لا تستهدف فقط تعليم من لم يتعلم من الشعب المصري القراءة والكتابة، وإنما بناء وعيه كاملا بكل ما يلزم. ومنها نقابة عمال الصنائع اليدوية، والتي كانت نقابة شاملة لمن يشتغلون بالمصانع الحديثة من عمال، ولأصحاب الحرف المختلفة، وكأنها كانت خليفة حديثة وعصرية لطوائف الحرف التي كانت موجودة في مصر منذ زمن طويل. ومنها نقابات التعاون الزراعية والتي كانت أساسا للحركة التعاونية التي انتشرت في مصر بأشكال وفي مجالات مختلفة منذ ذلك التاريخ. وفي هذا النادي نوقشت وجمعت الاكتتابات لتأسيس الجامعة الأهلية المصرية.

وإذا فتشنا عن المبادرات العلمية في وسط هذا الزخم الذي عرفته مصر أواخر القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، فسوف نجد من أوائل تلك المبادرات، مبادرة الخديوي إسماعيل عام 1875 بتأسيس الجمعية الجغرافية المصرية، والتي ارتبطت بالمشروع الجيوسياسي لحماية منابع النيل ومدخل البحر الأحمر، فلما سقط حكم إسماعيل، وسقطت مصر تحت حكم الاحتلال البريطاني، تراجع دور الجمعية.

وإذا قارنا جمعيتنا الجغرافية ودورها التنموي المتواري بالجمعية الجغرافية الأمريكية المعروفة عالميا باسم National Geographic التي تأسست عام 1888، ربما نستطيع أن نعرف الفرصة التنموية المهدرة على مدار ما يقرب من 150 عام.

فالجمعية الجغرافية لديهم أسسها 33 من المستكشفين والعلماء وهواة السفر، بينما جاءت جمعيتنا بمبادرة من الحاكم، استعان فيها بمستكشفين أجانب. ومنذ العام الأول لجمعيتهم بدأ دورها في نشر الثقافة العلمية والتواصل مع الجمهور من خلال مجلتهم الشهيرة، وشيئا فشيئا تعاظم دور ناشونال جيوجرافيك لينتقل من المستوى الوطني الأمريكي إلى المستوى العالمي، وانتقل دورها من الإعلام العلمي إلى التعليم والتنشئة العلمية وكل ما من شأنه تعزيز روح الشغف بالاستكشاف، وتوسعت مجالات عملها العلمي لتتداخل فيه علوم الجغرافيا، والأنثروبولوجيا، والجيولوجيا وعلوم البيئة، وتعززت إمبراطوريتها الإعلامية حتى أصبحت لها القنوات الفضائية والعديد من المجلات والمواقع الإلكترونية فضلا عن الكتب والأفلام، وفي المجمل فإن رسالتها الإعلامية العالمية تصل إلى ما يزيد عن 350 مليون إنسان حول العالم شهريا.

لكن أعظم أدوار الجمعية الجغرافية الأمريكية من وجهة نظري هو دورها في “التنشئة العلمية”، والذي تلعبه مرة من خلال منشوراتها الإعلامية، ومرة من خلال دورها في إعداد وتأهيل وتدريب معلمي الجغرافيا، وإعداد مناهجها، ومرة ثالثة وهو الأهم من وجهة نظري من خلال الأنشطة غير الصفية التي تنظمها الجمعية من مسابقات بين المدارس، وبرامج استكشافية يقوم بها طلاب المدارس National Geographic Expeditions ، وبرامج للتواصل بين البعثات الاستكشافية والطلاب، وغير ذلك مما من شأنه إثارة الشغف لدى النشء، وتعميق المعارف العلمية، واكتساب المهارات الاستكشافية.

تأسس الهلال الأحمر المصري عام 1911 كمؤسسة أهلية من المجتمع المصري للعدوان الإيطالي على ليبيا، ثم كاستجابة أهلية على حرب القوى الأوروبية على الدولة العثمانية في الحرب التي عرفت باسم حرب البلقان، وهي مؤسسة كانت تحظى بدعم من أمراء وأميرات الأسرة الحاكمة آنذاك، فضلا عن دعم الشعب والنخب المصرية.

وعلى الرغم مما قد يبدو من بعد الهلال الأحمر عن المبادرات العلمية بمعناها المباشر، إلا أنه لا يخفى على أحد ما لأعمال الإغاثة من صلة بالعلوم الطبية وغيرها من سائر العلوم المتعلقة بالإنقاذ سواء في حالات الحروب أو حالات الكوارث الطبيعية، وهي علوم تطورت كثيرا عبر الزمن منذ ذلك التاريخ.

وربما يعطينا تكرار الكوارث الطبيعية (من زلازل، وفيضانات وسيول وبراكين) وانتشار الحروب في منطقتنا جرس إنذار بضرورة إعداد جيش من الكوادر البشرية المتطوعة ليس فقط في مجال الإغاثة الطبية ولكن أيضا في فنون الإنقاذ، أملا في أن يتحول الهلال الأحمر المصري يوما إلى واحدة من أكبر هيئات الإغاثة على الأقل في المنطقة والإقليم المحيط، وهذا يقتضي عملا طويلا في التدريب ليس فقط على عمليات الإسعاف الطبي التقليدي والذي ربما تقدمه جمعية الهلال الأحمر حاليا، ولكن أيضا في عمليات الإنقاذ في الظروف الاستثنائية غير التقليدية التي قد تحدث هنا وهناك في مثل تلك الكوارث والحروب، طالع على سبيل المثال قصة أطفال كهف ثام لوانج التي حدثت في تايلاند عام 2018، وهي القصة التي شدت انتباه العالم لأسابيع، وتطلبت الكثير من العلوم والمعارف، والخبرات والمهارات لإتمام عملية الإنقاذ التي حدثت، كما تطلبت الكثير من التعاضد الاجتماعي الطوعي.

وإذا كانت طبيعة بلادنا قد لا تتشابه مع طبيعة تايلاند، إلا أن الحوادث التي تتطلب إنقاذا تحدث هنا وهناك في البيئات الفرعية في بلادنا، إن في سيناء وجبالها، أو في أسوان وسيولها وغير ذلك، وهي حوادث تحتاج دائما إلى فريق مدرب ومحترف وعلى أعلى مستوى، يا حبذا لو استطعنا من خلال نشاط تطوعي واسع محيط بجمعية الهلال الأحمر المصري أن نعده لا ليكون جاهزا لما يحدث في مصر فقط، ولكن لكي يكون ذراعا من أذرع القوة الناعمة لمصر فيما حولها من إقليميا وعالميا، ولا أظن أن جمعية الهلال الأحمر المصري التي تحولت إلى هيئة شبه حكومية – تخلو من حرارة وشغف وحماس التطوع والمتطوعين حينما يشعرون أنهم إنما يتجهزون لمهام إنسانية – قادرة حاليا وفي وضعها الحالي على القيام به وحدها.

إحدى المبادرات الفريدة في تاريخ مصر، وقد تأسس المجمع عام 1930 كأول هيئة أهلية معنية بالعمل على نشر الثقافة العلمية وبث الروح العلمية في البيئة المصرية، والعمل على العناية باللغة العربية لغة للعلم، وإنشاء رابطة بين المشتغلين بالعلوم من الناطقين بالعربية والمستعربين، وإبداء الرأي في المشروعات الحيوية، وذلك من خلال عقد اجتماعات عامة تلقى فيها المحاضرات، وطبع تلك المحاضرات ونشرها إما في كتاب سنوي أو فرادى، وإصدار نشرة دورية للمجمع.

والغريب أن تعرف أن هذا المجمع ظل له نشاط حتى عام 1989 على الأقل، لكن أظن أن القليلين من المهتمين بالثقافة العلمية يعرفون المجمع على ندرة وأهمية رسالته التي تضمنها اسمه، وقد عرفت عنه رغم اهتمامي بالصدفة البحتة، عندما كنت أتسكع أمام باعة الكتب المستعملة على أرصفة منطقة الإسعاف بالقاهرة، وعثرت على عددين من إصدارات المجمع التي كانت تضم المحاضرات التي ألقيت في حينه، وعبثا حاولت العثور على أعداد أخرى منه. وقد ذكرت المجمع كجزء من تاريخ مصر في الثقافة العلمية في كلمة تحدثت عام 2015 بها عندما كنت رئيسا لتحرير الطبعة العربية من مجلة نيتشر أمام مجموعة من الشباب الناشط في “شعبنة العلوم popularization of science” التقوا للتعارف والتفكير في المستقبل، وهو الاجتماع الذي أثمر لاحقا عن تأسيس مبادرة “أسبوع العلوم المصري” ، الذي جرى تنظيمه بالتعاون بين عدة مبادرات صغيرة أسسها هؤلاء الشباب، وبين الشباب الأكبر سنا، والذين اكتسبوا خبرة أطول في تنظيم الفعاليات منذ عام 2002، وذلك تحت إشراف ورعاية أكاديمية البحث العلمي في ظل رئاسة الأستاذ الدكتور محمود صقر، وقد استطاع المتطوعون في أسبوع العلوم الوصول بمحاضراتهم وعروضهم العلمية إلى كافة الجامعات المصرية تقريبا خلال موسمين من مواسم أسبوع العلوم المصري.

حركة نوادي العلوم في مصر

من المعروف لدى الكافة افتقار مؤسساتنا التعليمية للمعامل العلمية، خاصة في المراحل قبل الجامعية، وربما يرجع ذلك إلى تدني ميزانيات التعليم في عقود كثيرة سابقة، وأظن أن هذا الأمر كان دافعا للصحفي المرموق الأستاذ صلاح جلال – رحمه الله – لتأسيس حركة نوادي علوم الأهرام عام 1967، فكما يقال إذا كان تعلم العلوم عبر المحاضرات والقراءة مفيدا ومهما، إلا أنه لا يكفي وحده لإثارة شغف النشء والشباب بالعلوم، وتمام فهمهم لها، ولذلك كان التعلم العلمي لا يكتمل إلا بأن يجرب الإنسان بنفسه، ويقوم بإجراء التجارب بيديه وهو ما يعرف باسم Hands-On Learning .

وعلى الرغم مما تحلى به الأستاذ صلاح جلال من حماس، وإيمان حقيقي بدور العلوم، وأهمية التعلم العملي لها من خلال ما يعرف بالأنشطة غير الصفية، وعلى الرغم من تبني جهات حكومية كثيرة لفكرة وحركة نوادي العلوم سواء أكاديمية البحث العلمي، أو وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي والبحث العلمي، ووزارة الثقافة، والمجلس الأعلى للشباب والرياضة كل في مجاله، وهو ما أثمر عن تأسيس تلك النوادي في بعض المدارس والجامعات، إلا أن ذلك لم يثمر إلا حركة فاترة واهتماما ضعيفا من الجمهور المستهدف لا يساوي ما بذلته اللجان المشكلة هنا وهناك من فكر ومال، وانتهى الحال بنشاط نادي علوم الأهرام مثلا إلى الاكتفاء باستضافة بعض الباحثين والعلماء والإعلاميين العلميين لإلقاء محاضرات متعلقة بالعلوم في مبنى مؤسسة الأهرام، وهو ما جعل تعلم العلوم على ما هو عليه تعلما نظريا أكثر منه عمليا Hands-Off Learning.

جمعية مهندسو الكهرباء والإلكترونيات

وقد صادف حال نوادي العلوم في الجامعات هذا مجموعة من شباب كليات الهندسة أواخر تسعينيات القرن الماضي، حينما أرادوا أن يؤسسوا لنشاط علمي في جامعاتهم، وهو النشاط الذي انتهى بمجموعات منهم – على غير اتفاق ومعرفة فيما بينهم – في جامعات القاهرة، والزقازيق والعاشر إلى تعرفهم على الاهتمام الناشئ لدى جمعية مهندسي الكهرباء والإلكترونيات والتي تعرف اختصارا باسم IEEE بداية من عام 1998، حينما حضر اثنان منهم المؤتمر الأول للأفرع الطلابية لتلك الجمعية فيما يعرف بالمنطقة الثامنة، والتي تضم بلدان أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط، والذي عقد في إسطنبول في ذلك العام، ثم حضور عدد أكبر منهم للمؤتمر الثاني والذي عقد في جامعة أيندهوفن بهولندا عام 2000، وبحماسة الشباب طلبوا أن يكون تنظيم المؤتمر الثالث للأفرع الطلابية في القاهرة عام 2002، وهو ما كان لهم.

كان هذا التعرف واللقاء والاشتباك مع الجمعية، هو بداية لحركة شبابية بدأت بثلاث جامعات، ثم خمس جامعات قبل انعقاد المؤتمر الدولي الثالث، بعد انضمام جامعة الإسكندرية والأكاديمية فرع الإسكندرية، وظلت تلك الحركة تنمو وتتطور وتتوسع وتثمر ثمارا لا حصر لها على مدار ربع قرن، تدفعها “روح التطوع المهني” ، وهي الروح التي قدر لي أن أقوم بتوثيقها على مدار الشهور الماضية من عام 2024، لتخرج في سفر ضخم بداية هذا الشهر، نوفمبر 2024.

كان نجاح تلك الحفنة القليلة من الطلاب والأفرع الطلابية في تنظيم الحدث الدولي الضخم – المتمثل في المؤتمر الدولي الثالث للأفرع الطلابية، والمؤتمر الدولي لأفرع الخريجين في المنطقة الثامنة – في مايو من عام 2002 مغريا لهم من أجل أن يقوموا بتنظيم فعالية مصرية تسعى في سد الفجوة بين الجامعة والصناعة، بحيث تقدم مشاريع تخرج الطلاب فضلا عن مشاريعهم في الدراسات العليا حلولا لمشكلات حقيقية تواجه الصناعة على أرض الواقع، وبحيث تتبنى الصناعة الحلول المقدمة لها من الجامعة سواء من الطلاب أو من الباحثين والعلماء، بدلا من استقدام خبراء أجانب لحل تلك المشكلات.

وبالفعل قام الطلاب بتنظيم الدورة الأولى لما عرف بـ”يوم الهندسة المصري” في نوفمبر من نفس العام، وقد أصبح “يوم الهندسة المصري” عاما بعد عام هو الحدث الهندسي الأكبر الذي يجمع بين الطلاب وشباب الخريجين من جهة، وبين العلماء والخبراء في مجالات هندسة الكهرباء، والإلكترونيات والحاسبات والاتصالات من جهة أخرى.

وقد حظيت أنشطة الشباب من طلاب وخريجين تحت مظلة جمعية مهندسي الكهرباء والإلكترونيات بدعم العلماء الأفاضل الذين أشرفوا على عمل الفرع المصري للجمعية، بداية من الراحلين الأستاذ الدكتور عبد المنعم بلال، والأستاذ الدكتور محمد يونس، مرورا بكل من الدكتور سمير شاهين والدكتور أحمد حسن، وحتى الرئيس الحالي للفرع الدكتور أحمد مدين، لكن صاحب الفضل الأكبر في دعم هؤلاء الشباب، والذي يعتبر الأب الروحي لهذا النشاط كان الأستاذ الدكتور أحمد درويش، وزير الدولة السابق للتنمية الإدارية.

كما كانت وزارة الاتصالات منذ عهد الراحل الأستاذ الدكتور طارق كامل، هي الحاضنة الأكبر والراعي الرئيسي لهذا النشاط، سواء بنفسها، أو من خلال الهيئة القومية لتنظيم الاتصالات (NTRA)، أو من خلال صندوق تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات (ITIDA)، كما حظيت النسخ العشرين التي أقيمت من يوم الهندسة المصري بحضور 3 من رؤساء الوزراء في عهود مختلفة، وحضور وزراء آخرين، كما حظيت بدعم عدد كبير من الشركات الوطنية والشركات متعددة الجنسيات في هذه المجالات.

وقد أدى هذا لنمو الإقبال الجماهيري على الفعالية حتى وصل إلى ما يتجاوز 20 ألفا، وحصلت على جائزة أفضل حدث في المنطقة الثامنة لجمعية مهندسي الكهرباء والإلكترونيات ثلاث مرات طوال تاريخها.

وتحت مظلة وحدة شباب الخريجين، التي تتولى الإشراف على يوم الهندسة المصري تأسس برنامج “صنع في مصر”، وهو بالأساس برنامج تدريبي لطبة السنوات النهائية يأخذ شكل مسابقة بين مشاريع التخرج، يعلم الطلاب كيف يحولون أفكارهم إلى منتجات نهائية، وكيف يتواصلون مع الصناعة لمعرفة مشكلاتها، وكيف تكون مشاريع تخرجهم حلولا لتلك المشكلات، وكيف يحصلون على دعم ورعاية لمشاريعهم من الصناعة، وكيف يستطيعون عرض المشاريع التي انتهوا إليها على زوار المعرض الذي يقام ضمن فعاليات يوم الهندسة المصري. ويقوم البرنامج بترشيح منسق للمشروع من فريق المتطوعين، كما يقوم بترشيح موجه من قبل الصناعة، يكون في نفس تخصص المشروع، وقد استمر البرنامج من العام الدراسي 2005/ 2006، ولم ينقطع سوى سنتي كورونا.

وتحت مظلة نفس الوحدة تأسست النسخة المصرية من مسابقة فيوتشر سيتي أو مدينة المستقبل، وهي مسابقة عبارة عن برنامج تدريبي مبني على المشروع، مخصص لطلبة المدارس الإعدادية يتضمن بناء ماكيت لمدينة أو مشروع في مدينة باستخدام مواد معاد تدويرها، كما يتضمن مسابقة/ لعبة إلكترونية، ويتضمن أيضا كتابة مقال حول موضوع محدد يتغير كل عام. يطلب من كل مدرسة راغبة في المشاركة تكوين فريق من 3 تلاميذ، يشرف عليهم أحد المدرسين. ويتعلم التلاميذ المهارات اللازمة لكل مكونات المسابقة، مع تعلم مهارات الفعالية الشخصية، من العمل في فريق، ومهارة عرض مشاريعهم في المراحل المختلفة للبرنامج، كما يتضمن برنامج المسابقة تدريب المدرسين الذين تم ترشيحهم من مدارسهم للإشراف على الفرق المشاركة في المسابقة، حتى يقوموا بأدوارهم في الإشراف على أحسن وجه. وقد استمرت المسابقة لمدة 10 سنوات فقط، من 2007 إلى عام 2017، وتخرجت منها نماذج مشرفة من التلاميذ الذين شاركوا في التطوع في فريق المسابقة، والذين دخلوا كليات الهندسة فيما بعد، وصار أكثر من واحد منهم رؤساء لفريق المسابقة في سنوات تالية، كما شارك منها تلاميذ في نهائيات المسابقة الدولية في الولايات المتحدة الأمريكية. وخلال تلك الفترة تم تدريب أكثر من 1700 طالب، وأكثر من 500 معلم من أكثر من 550 مدرسة جاءت من أكثر من 20 محافظة وشارك في إدارة المسابقة وتسيير جميع أعمالها ما يزيد عن 700 متطوع، لكن وزارة التربية والتعليم ارتأت لسبب غير معلوم عدم إعطاء موافقتها على استمرار المسابقة منذ ذلك التاريخ.

كانت هذه هي الأنشطة الرئيسية الثلاث على المستوى الوطني قبل سنوات كوفيد-19، يضاف إليها مسابقة تطبيقات ناسا الفضائية، لكن خريطة الأنشطة أضيف إليها الكثير بعد تلك السنوات، مما يمكن تلمسه على مواقع الجهات الثلاث المشرفة على تلك الأنشطة ممثلة بشكل رئيسي في وحدة شباب المهنيين IEEE Young Professionals Egypt ولجنة الأنشطة الطلابية IEEE SAC Egypt والفرع المصري للجمعية IEEE Egypt Section. لكن تلك الجهات تقف على قاعدة عريضة من الأفرع الطلابية في الجامعات والمعاهد العليا، وصلت إلى ما يزيد عن 73 فرع حتى الآن، ولكل منها أنشطتها على مستوى الجامعات المنتشرة في ربوع مصر.

وبعد أن كانت الأنشطة العلمية غريبة في كليات الهندسة والحاسبات في النصف الثاني من تسعينيات القرن العشرين، وبعد أن بدأت الأنشطة قاصرة على تخصصات معينة، نستطيع أن نقول الآن إن روح النشاط العلمي انتشرت أولا في كل تخصصات الهندسة، بل وفي معظم الكليات العلمية في ربوع مصر. وقد كان لهذا الحراك العلمي في كليات الهندسة ثمراته التي لا تنكر على التنمية على المستوى المصري خاصة في القطاع الهندسي والتكنولوجي، كما كان له آثاره على شخصيات ومهارات ومعارف وخبرات كل فرد مر به، لم نلتق بواحد منهم إلا وذكرها، كما أنه فتح آفاق فرص العمل أمامهم، ودفع الكثير منهم لإنشاء شركاتهم الناشئة.

وراء هذا النجاح مجموعة من الأسرار التي أرى ضرورة أخذها في الحسبان عند التفكير في المبادرات العلمية ودورها التنموي في مصر أذكر منها هنا 3 أمور:

1. كان الانخراط في تلك الأنشطة اختيارا تطوعيا حرا من قبل الطلاب وشباب الخريجين، شعروا معه أنهم أولا يفيدون أنفسهم به، ويساهمون في تنمية ونهضة بلدهم، وأنهم يفعلون ذلك بنية خالصة، وهو ما أطلقنا عليه “روح التطوع المهني”.

2. كان لدى هؤلاء الشباب شعورا بأنهم يمتلكون هذا النشاط، ولا يمتلكونه في نفس الوقت، وذلك نتيجة القانون الحاكم لكل تلك الأنشطة، وهو تداول السلطة وتناقل الخبرة بين الجميع، فأي فرع طلابي لا يجوز للمجلس الذي يديره أن يبقى أكثر من عام، وعليه أن يقوم بتسليمه لمن بعده، وكان ذلك أيضا نظام إدارة يوم الهندسة المصري والأنشطة المنضوية تحته. بينما كانت المدة تمتد لعامين في المجالس الثلاثة المشرفة التي ذكرناها، وعلى كل صاحب منصب أن ينقله لمن بعده بعد ذلك. وبالتالي شعر الجميع أنه يكتسب الخبرة ويتعلم، وأنه شريك حقيقي في إدارة العمل.

3. سارت تلك الأنشطة على أرضية من التناغم بين ثلاثة أطراف: النشاط الشبابي المهني والتنموي الحر من جهة، والرعاية والدعم الحكومي الذي وفرته وزارة الاتصالات بشكل أساسي، وكان القطاع الخاص وطنيا ودوليا شريك أيضا في دعم نجاح تلك المنظومة.

وراء هذا النجاح مجموعة من الأسرار التي أرى ضرورة أخذها في الحسبان عند التفكير في المبادرات العلمية ودورها التنموي في مصر أذكر منها هنا 3 أمور:

– هناك إمكانية للوصول بالأنشطة الهندسية والتكنولوجية إلى أقصى مداها من حيث العمر بالبداية بالنشء من كافة الأعمار قبل الجامعية، ومن حيث الجغرافيا بالوصول إلى جميع الجامعات والمعاهد العليا والمدارس في جميع أنحاء مصر، ومن حيث التخصص بتشجيع الأنشطة المشابهة في التخصصات الهندسية الأخرى.

– الساحة حاليا مليئة بالمبادرات الصغيرة في مجالات تتماس مع ما نطمح إليه محاكاة نموذج الجمعية الجغرافية الأمريكية وطنيا، فمن مبادرات لاستكشاف وارتياد أماكن جديدة للسياحة الداخلية، إلى مبادرة لتعلم مهارات البقاء في الصحراء والبيئات المختلفة، إلى مبادرات لاستكشاف وتصوير الحياة البرية في مصر، وهناك دعم ورعاية من وزارة البيئة لبعض تلك المبادرات، هناك أيضا مبادرات لتوثيق وحفظ الموارد والثقافات الفرعية في مصر وما يرتبط بها من حرف يدوية، هناك أيضا مبادرات في الفلك استطاعت اجتذاب جمهور عاشق لاستكشاف السماء في مصر وتصويرها احترافيا، إلى علماء جغرافيا وجيولوجيا استطاعوا معا تدريب وتعليم فرق من الباحثين ميدانيا، إلى علماء استطاعوا تقريب الجغرافيا للجمهور العام بما يقدموه من جهد فردي ، إلى اهتمام من الدولة ببث الروح والحياة في الحركة الكشفية المصرية، هناك أيضا من العلماء من بذلوا جهدهم البحثي طوال ما يقرب من 40 عام لإعادة اكتشاف موارد مصر المتجددة وتحويل كل منها إلى فرص تنموية، كل هذا مجتمعا وأكثر يمثل إمكانية يمكن البناء عليها.

– هناك أيضا بعض المبادرات في المجال الطبي، بعضها يصل عمره إلى ربع قرن مثل مبادرة شريان العطاء التي تأسست في كلية طب عين شمس، وتخصصت في نقل الدم الآمن للمرضى المحتاجين، وراكمت خبرات عظيمة في هذا المجال. كما أن هناك حالة من الحراك يتمثل في وجود أنشطة في الكليات العلمية غير الهندسية، وأظن أن الإمكانات المتاحة في مجال الإغاثة الطبية والإنقاذ تحتاج إلى تطوير كي تستطيع أن تعظم من دور جمعية الهلال الأحمر المصري لجعلها إحدى القوى المهنية الناعمة لمصر في هذا المجال.

– هناك العديد من المبادرات في مجال تبسيط العلوم، مثل شارع العلوم وبسيط ، وعلم تيوب ، غيرها، وفي مجال تنظيم مؤتمرات الإعلام والتواصل العلمي عربيا ودوليا مثل شركة سايكوم إكس SciComm X ، كما أن نشاطا واضحا في مجال الثقافة العلمية قدمته كوكبة من الأقلام العلمية الجديدة سواء للأطفال أو الكبار، ويمكن في هذا مطالعة إنتاج كل من الأستاذ الدكتور طارق فرج، والدكتور أحمد سمير سعد ، والدكتور شادي عبد الحافظ ، وياسر أبو الحسب ، وهي كلها تسد فراغا في مجال الثقافة والصحافة العلمية والتواصل العلمي بشكل عام.

وختاما فإننا لابد أن ندرك أن هناك روحا تطوعية انتشرت في أوساط الشباب صبت بشكل جزئي في المبادرات العلمية خاصة خلال العقد أو العقدين الأخيرين، وهي تعمل على توظيف العلوم والتكنولوجيا في حل مشكلات البلاد وتلبية احتياجاتها، وأن على الدولة إذا أرادت استثمار هذه الروح أن تلعب دور الراعي، والداعم، والمشجع بما لا يقتل أو يقلل من الدافعية الذاتية للشباب الملتحق بتلك المبادرات وشعوره بالانتماء للمبادرة وامتلاكها وعدم امتلاكها في آن، الامتلاك من حيث شعورهم أن الفرصة متاحة للجميع كي يكتسب الخبرات والمعارف والمهارات من خلال تبادل الخبرات وتداول المناصب، أما عدم الامتلاك فمن حيث عدم احتكار أحد فيها لا للخبرة أو المعرفة أو المهارة ولا للسلطة من جهة ثانية وهو ما يعرف بالحوكمة.

وعلى الدولة ممثلة في حكومتها أن تعرف أن دور الراعي والداعم والمشجع، وهو الدور الذي لعبته مثلا وزارة الاتصالات بالنسبة للمبادرات الهندسية التكنولوجية، يختلف عن دور “هندسة” المبادرات أو إدخالها في دهاليز البيروقراطية المصرية التي تفقدها الروح وتفقد الملتحقين بها الدافعية الذاتية.

وإن من شأن التناغم المنشود بين العمل الأهلي العلمي وبين الحكومة والقطاع الخاص أن يساهم في تنمية وتطوير ونهضة مصر في كافة المجالات وأن يجعل من مصر أمة للريادة الاجتماعية فضلا عن ريادة الأعمال، والله أعلم.

المقاومة بريئة.. نتنياهو أفسد صفقات وقف إطلاق النار!

المقاومة بريئة.. نتنياهو أفسد صفقات وقف إطلاق النار!

بثّت قناة ريشيت 13 الإسرائيلية حلقة جديدة من برنامج الصحفي الاستقصائي رافيڤ دراكر، تناول فيها بالدليل والأدلة الموثقة الأسباب الحقيقية وراء فشل كل محاولات التوصّل إلى وقف إطلاق النار في غزة.

من خلال سلسلة من المقابلات، حاول دراكر كشف سبب انهيار كل جهود الوساطة المتكررة التي قامت بها مصر وقطر والولايات المتحدة، رغم الجهود المكثفة. في سبيل ذلك، أجرى الصحفي مقابلات مع عدد من كبار المسؤولين الإسرائيليين والأمريكيين.

النتيجة التي توصّل إليها التحقيق كانت صادمة: رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قدّم بقاءه السياسي على حياة النساء والأطفال الفلسطينيين، الذين يشكّلون نحو 70% من الضحايا، وبالطبع على حياة الأسرى، الذين طالما دعى إلى استعادتهم طوال الاعتداءات التي استمرت قرابة العامين.

صحيفة معاريف العبرية نشرت مقالًا تحليليًا حول حلقة دراكر، وخرجت بخلاصات أساسية أهمها:

  • برنامج “المصدر” (هاماكور) مع رافيڤ دروكر كشف أنّ فرصاً متكرّرة لإبرام صفقات مع حماس انتهت بالفشل بسبب قرارات الحكومة الإسرائيلية، خاصة نتنياهو الذي فضّل بقاء ائتلافه الحكومي على اتخاذ قرارات صعبة.

  • نتنياهو أوقف عدة صفقات لتبادل أسرى -أو عطلها- خوفًا من تهديدات شركائه في الائتلاف، إيتمار بن غڤير وبتسلئيل سموتريتش، بحسب شهادات مسؤولين رفيعي المستوى.

  • وزير الدفاع السابق يوآڤ غالانت وعضو الكابينيت السابق غادي آيزنكوت أوضحا أنّ صفقات كانت متاحة مرات عدة لإطلاق سراح أسرى، بعضهم جرحى أو بالغون، لكنها انهارت بسبب الخلافات الداخلية والسياسة الائتلافية.

  • مسؤولون أمريكيون كبار (ماثيو ميلر، المتحدث باسم الخارجية، وبريت مكغورك، المبعوث للشرق الأوسط) أكدوا أنّ العائق الأساسي أمام الاتفاق لم يكن حماس، بل حكومة نتنياهو. ورغم علمهم بذلك فقد امتنعوا عن انتقادها علناً لتجنّب الإضرار بالتحالف الأميركي–الإسرائيلي.

  • قادة فريق المفاوضات مثل أورن سيتر (نائب الرئيس) ويورام حمو (نائب رئيس مجلس الأمن القومي) قدّموا أدلة على أنّ الحكومة الإسرائيلية فوّتت فرصاً حاسمة زمنياً لإنقاذ الأسرى، وأحياناً غيّرت الشروط فجأة أو تراجعت عن مقترحات سبق أن وافقت عليها.

  • وثائق حكومية داخلية أشارت بوضوح إلى أنّ الحرب “محكومة بالفشل” ما دام وضع الأسرى يقيّد العمليات العسكرية، وأنّ توصيات لصياغة صفقة واسعة تم تجاهلها مراراً أو التراجع عنها.

  • التحقيق كشف تناقضاً في تصريحات الحكومة عن قطر: فبينما هاجمها نتنياهو علناً، سعى مسؤولون إسرائيليون في الخفاء لتشجيعها على لعب دور الوسيط وتقديم التمويل.

    — في يوليو 2024، انهارت صفقة مقترحة بعدما غيّر نتنياهو وشركاؤه شروطها في اللحظة الأخيرة، ما أدّى إلى مقتل عدد من الأسرى تحت الأسر، وهو ما أكده مسؤولون أمريكيون بأسف شديد.

  • الشهود اتفقوا على أنّ الإخفاقات المتتالية والتراجعات، التي دفعتها أولويات سياسية وحسابات ائتلافية، كلّفت حياة بشرية ثمينة وأضاعت فرصاً متكرّرة لإعادة الأسرى إلى ديارهم.


ترجمة أهم ما جاء في مقال معاريف

في تحقيق برنامج المصدر مع رافيڤ دراكر الذي بثته القناة 13 مساء الخميس، كُشفت واحدة من أقسى الحقائق أمام الجمهور الإسرائيلي منذ بدء الحرب: الأسرى الإسرائيليون الموجودون في أنفاق غزة — بعضهم أموات وبعضهم أحياء يعانون معاناة لا يمكن تخيلها — لم يعودوا فقط بسبب حماس، بل بسبب قرارات الحكومة الإسرائيلية، وبالتحديد بسبب بنيامين نتنياهو الذي مراراً خضع لتهديدات إيتمار بن غڤير وبتسلئيل سموتريتش.

التحقيق أظهر بوضوح أنّ صفقات متعددة كانت مطروحة على الطاولة، وأنّ حماس أبدت استعداداً للتنازل، وأنّ الأسرى كان يمكن أن يعودوا إلى بيوتهم، وأنّ معاناة هائلة كان يمكن تجنّبها. لكن حكومة نتنياهو، مفضّلة البقاء السياسي على الأرواح، أفلتت كل هذه الفرص واحدة تلو الأخرى.

أجرى دروكر مقابلات مع وزير الدفاع المنصرف يوآڤ غالانت وعضو الكابينيت السابق غادي آيزنكوت لوضع جدول زمني للصفقات التي كانت قيد التبلور وتلك التي انهارت. كما ضمّ أورن سيتر، نائب رئيس فريق المفاوضات.

ولتجنّب ادّعاء أنّ التقرير مسيّس، أدرج دروكر شهادات من مسؤولين أمريكيين كبار مثل ماثيو ميلر (الخارجية الأمريكية) وبريت مكغورك (المبعوث للشرق الأوسط)، وهؤلاء ليست لديهم مصالح سياسية داخلية ضيقة.

الصورة التي خرجت من التحقيق مؤلمة ومقلقة، وتستدعي تحقيقاً رسمياً بغض النظر عن أحداث 7 أكتوبر.

صفقة “متهورة” – تضليل مقصود

أول صفقة سلّط التحقيق الضوء عليها كانت إطلاق 50 أسيراً بينهم نساء وأطفال مقابل 240 أسيراً فلسطينياً معظمهم “لصوص سيارات”، كما قال آيزنكوت. كانت هذه بارقة أمل وسط الظلام، صفقة أنقذت أرواحاً. لكن سرعان ما وصفها سموتريتش وبن غڤير بأنها “صفقة متهورة”.

آيزنكوت قال إن مزيداً من الأسرى كان يمكن أن يُطلق سراحهم — بالغين وجرحى — لكن ذلك لم يحدث بسبب تهديد بن غڤير وسموتريتش بتفكيك الحكومة. نتنياهو، مقدّماً بقاءه السياسي على مصير الأسرى، أوقف الصفقة بذريعة واهية.

وفي حالة أخرى، أوشكت صفقة لإطلاق 10 أسرى إضافيين على التحقق، لكن نتنياهو أوقفها وأعلن عملية برية في رفح رغم تحذيرات الوسطاء من أنّ ذلك سيجعل حماس تنسحب. النتيجة: بقي الأسرى في الأنفاق.

اتفاق دراماتيكي – وتراجع جبان

أحد أكثر أجزاء التحقيق دهشة كان اجتماع الكابينيت بعد اجتياح رفح، عندما كان فريق التفاوض مستعداً لعرض إطار جديد، لكن نتنياهو رفض وأعلن أن الفريق بلا صلاحية، فانهار كل شيء.

ثم فجأة، وافق نتنياهو بنفسه على خطوة جذرية: انسحاب كامل من غزة ووقف إطلاق نار دائم — مقترح مطابق تقريباً لما يروّجه اليسار الراديكالي. وافق الكابينيت بأسره، وصدّق نتنياهو. لكن خلال ساعات، وبعد اجتماعه مع بن غڤير وسموتريتش، انقلب وبدأ يلوم الآخرين.

آيزنكوت علّق: “هذا يحدث طوال الوقت؛ يفعل الصواب ثم يغيّر رأيه بعد لقائه شركاءه”.

الكذب بشأن قطر

كما كشف التحقيق أيضاً عن نفاق في الموقف تجاه قطر. فبينما يتحدث نتنياهو علناً عن قطر وكأنها ليست عدواً، بهدف خدمة أحد مستشاريه، تكشف الحقائق أنّ قطر قامت بتمويل حماس بشكل كبير وتُعتبر عدواً رئيسياً. وأشار مسؤولون أميركيون إلى أنّ إسرائيل نفسها هي التي طلبت من قطر تمرير الأموال إلى حماس.

وفي واقعة أخرى جرت في أكتوبر 2024، شارك وسيط مصري جديد في المفاوضات، لكن تسريباً ما مكّن قطر من طرح صفقة بديلة منافسة، إلا أنّها في النهاية فشلت أيضاً.

الحقيقة الأمريكية

ماثيو ميلر وبريت مكغورك اعترفا لأول مرة أمام الكاميرا أنّ العقبة الحقيقية أمام أي اتفاق لم تكن حماس، بل نتنياهو نفسه. غير أنّ واشنطن لزمت الصمت حفاظاً على التحالف، فيما اعتقد الرأي العام الإسرائيلي أنّ حماس وحدها هي المعرقلة.

وثيقة “أسود وأبيض”

قدّم يورام حمو، نائب رئيس مجلس الأمن القومي، وثيقة في مايو أوضحت بصراحة: “الحرب محكومة بالفشل. لا يمكن هزيمة حماس بينما يمنع ملف الأسرى أي هجوم شامل. صفقة شاملة ضرورية على وجه السرعة.” استقال حمو بعد أسبوعين لأنّ الحقيقة لم تناسب رواية رئيس الوزراء.

اليوم يعرف الجمهور الإسرائيلي جيداً أنّ الشعارات والاتهامات التي يطلقها نتنياهو ومعه بن غڤير وسموتريتش تجاه حماس لم تكن سوى غطاء، وأنّ السياسة واعتبارات البقاء في السلطة وُضعت فوق حياة البشر.

صحيفة تايمز أوف إسرائيل أكدت أيضاً ما ورد في معاريف بشأن حلقة دروكر، مشيرة إلى أنّ نتنياهو أفشل فرص السلام ملهَماً بطموحات بن غڤير وسموتريتش، وبرضا أمريكي ضمني

نتنياهو تعمّد إفشال فرص السلام، بدافعٍ من شركائه اليمينيين، وبدعم ضمني من الولايات المتحدة. هذه ليست مجرد رواية إعلامية، بل نتائج موثقة وشهادات متطابقة من كبار المسؤولين.

هذا المقال تمت صياغته بمساعدة الذكاء الاصطناعي.

إسكات الشاهد: الشهيد أنس الشريف وحملة قمع الأصوات الفلسطينية

إسكات الشاهد: الشهيد أنس الشريف وحملة قمع الأصوات الفلسطينية

برز أنس جمال محمود الشريف كأحد أشجع الأصوات في توثيق الإبادة الجماعية المستمرة في غزة، قبل أن تُقطع حياته على نحو مأساوي في 10 أغسطس/آب 2025، عندما استهدفته القوات الإسرائيلية عمدًا وزملاءه في ضربة موجهة إلى خيمة الصحفيين بالقرب من مستشفى الشفاء.

ورغم أنه لم يتجاوز الثامنة والعشرين من عمره، أصبح مراسل قناة الجزيرة مرادفًا للصحافة الميدانية الجريئة التي لا تعرف التراجع، إذ رفض أن يتخلى عن موقعه في شمال غزة رغم التهديدات المتكررة بالقتل، ورغم فقدان والده، وانهيار معظم البنية التحتية من حوله. كان اغتياله جزءًا من محاولة منهجية ينتهجها نظام الاحتلال الإسرائيلي لإسكات كل شاهد على الإبادة الجماعية التي تعدّها كثير من القراءات التاريخية الحديثة الحدث المركزي في التاريخ المعاصر.

الطفولة في فلسطين المحتلة

وُلد أنس الشريف في 3 ديسمبر/كانون الأول 1996 في مخيم جباليا للاجئين في شمال قطاع غزة، تلك البقعة المكتظة التي غدت موئلًا للفلسطينيين إبان نكبة 1948. شهد أنس حقائق الحياة تحت الاحتلال منذ سنواته الأولى، وهو يكبر في ذلك المخيم المزدحم الذي أُنشئ لإيواء العائلات الفلسطينية التي أُجبرت على ترك منازلها.

التعرّض المبكر إلى صحافة

ظهرت مؤخرًا صور لأنس في أثناء طفولته يراقب الصحفيين إبّان حرب غزة 2008-2009، ما يشير إلى أن اهتمامه بالصحافة بدأ في سن مبكرة. هذه الخبرات التكوينية في مشاهدة المراسلين وهم يوثّقون العدوان الإسرائيلي زرعت على الأرجح بذور مسيرته المهنية لاحقًا، إذ شهد كيف يمكن للإعلام أن يكون درعًا وسيفًا في آن واحد في كفاح الشعب الفلسطيني من أجل التحرّر.

Eye on Palestine on X: "Anas Al Sharif was born in 1996. He ...

المسيرة التعليمية والتطور المهني

تابع الشريف تعليمه العالي في جامعة الأقصى بمدينة غزة، حيث تخرّج بدرجة البكالوريوس في الإعلام، تخصص إذاعة وتلفزيون. وقد بدا تركيزه الأكاديمي على البث خطوة موفقة، إذ صار لاحقًا واحدًا من أكثر وجوه الصحافة التلفزيونية العربية تميّزًا خلال حرب غزة. وبعد تخرّجه، بدأ الشريف مسيرته الإعلامية متطوعًا في شبكة الشمال الإعلامية، وهي منصة فلسطينية محلية. وقد منحته هذه التجربة الأولى مهارات أساسية في الصحافة، وأتاحت له أن يبقى قريبًا من مجتمعه في شمال غزة. وقد لفت تفانيه ومهارته خلال فترة التطوّع أنظار قناة الجزيرة العربية التي استقطبته مراسلًا لها في شمال القطاع.

التحوّل إلى صوت غزة

منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، حين أطلق الاحتلال حملته الإبادية ضد غزة، تحول الشريف من مراسلٍ إقليمي إلى واحد من أكثر الصحفيين حضورًا في تغطية الصراع. قرر البقاء في شمال غزة، رغم أوامر الإخلاء الإسرائيلية والتهديدات المباشرة لحياته، لكي يوثّق جميع مراحل الإبادة. وقد وصفت الجزيرة أنسًا بأنه “أحد أشجع صحفيي غزة”، ملاحظةً أن “أنسًا وزملاءه كانوا من آخر الأصوات الباقية داخل المدينة، يقدّمون للعالم تغطية ميدانية بلا تزييف لواقع المعاناة”. وقد وفّرت تقاريره لقطات وشهادات حاسمة من واحدة من أكثر مناطق النزاع استعصاءً على الوصول عالميًّا، في ظل حظر إسرائيل دخول الصحفيين الدوليين إلى غزة.

تغطيات لافتة ولحظات ذائعة

من أكثر لحظات الشريف رسوخًا في الذاكرة ما وقع خلال إعلان وقف إطلاق النار في يناير/كانون الثاني 2025، عندما خلع خوذته وسترته الواقية على الهواء مباشرة. وقد انتشر المشهد على منصات التواصل الاجتماعي على نطاق واسع، إذ ظهر وهو يقول: “الآن، أستطيع أخيرًا أن أخلع هذه الخوذة التي أتعبتني طوال هذه الفترة. وهذه السترة، التي صارت جزءًا من جسدي طوال هذا الوقت، ترافقني دائمًا”. وقد حمله الفلسطينيون على أكتافهم ابتهاجًا بينما كان يعلن توقف الأعمال العسكرية مؤقتًا.

وفي يوليو/تموز 2025، حظي الشريف باهتمام واسع دوليًّا حين انهار باكيًا خلال بث مباشر وهو يغطّي مشاهد الجوع في غزة. وقد أظهر المقطع الصحفي وهو يبكي بعدما شاهد امرأةً تسقط من الجوع أمام الكاميرا. وسمع صوت أحد خلف الكاميرا يقول: “أكمل يا أنس. أنت صوتنا”، بينما كان يحاول استعادة رباطة جأشه.

Anas al-Sharif: Why Israel believes Al Jazeera journalist killed in Gaza  was a terrorist

الاعتراف المهني والجوائز

حصد الشريف تقديرًا مهمًا من منظمات دولية. ففي عام 2018، وفي وقت مبكر من مسيرته، تلقّى جائزة أفضل صحفي شاب في فلسطين عن تغطيته في غزة. وفي ديسمبر/كانون الأول 2024، منحت منظمة العفو الدولية – أستراليا أنس الشريف جائزة “مدافع حقوق الإنسان”، تقديرًا لـ”صلابته الاستثنائية وشجاعته والتزامه بحرية الصحافة بينما يعمل في أكثر الظروف خطرًا”. وقد أهدى الشريف الجائزة لكل صحفي فلسطيني يغطي أحداث وجرائم الاحتلال خلال الحرب والحصار على قطاع غزة. وكان الشريف أيضًا جزءًا من فريق التصوير لدى رويترز الذي نال جائزة “بوليتزر” لعام 2024 في فئة التصوير الإخباري العاجل عن تغطيتهم لحرب إسرائيل على غزة. وقد وصفت لجنة الجائزة الصور التي وثّقت الأيام الأولى من العدوان الإسرائيلي بأنها “خامّة وملحّة”.

الحياة الشخصية والمأساة العائلية

كان الشريف متزوجًا من بيان خالد، ورُزقا بطفلة اسمها “شام” وطفل اسمه “صلاح”. ورغم الأخطار الدائمة التي يواجهها في عمله، ظل الشريف متمسكًا بأسرته وافيًا لها، غير أن الحرب فرضت فترات طويلة من الفراق. وفي مقطعٍ انتشر بعد وفاته، شوهد الشريف يخاطب ابنته الصغيرة عن حبهم لغزة. ولما سألها إن كانت تريد مغادرة القطاع إلى قطر أو الأردن أو مصر أو تركيا، رفضت، مؤكدة مرارًا: “أريد أن أبقى في غزة.” وفي خاتمة الفيديو، لما سألها أن توجه رسالة إلى العالم، نظرت في الكاميرا وقالت بحزم: “لن نغادر”.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2023، مُني الشريف بخسارة شخصية فادحة حين قُتل والده الذي بلغ التسعين من العمر في غارة إسرائيلية على منزل العائلة في جباليا. كان والده عاجزًا عن الإجلاء مع بقية أفراد الأسرة إلى مدرسة للأونروا بسبب وضعه الصحي. وقد وصف الشريف تلك التجربة بأنها “قاسية” و”مؤلمة”، وقال إنها قوّت عزيمته على مواصلة نقل حكاية معاناة غزة.

التهديدات المنهجية والتحريض المستهدف

طوال شهور سبقت اغتياله، واجه الشريف تهديدات متصاعدة من القوات الإسرائيلية. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2023، تلقّى اتصالات مباشرة من أفراد في الجيش الإسرائيلي يأمرونه بمغادرة شمال غزة. وقد ترافقت هذه الاتصالات مع رسائل واتساب ومذكرات صوتية كشفت عن معرفتهم بمكانه على نحوٍ دقيق.

وقد قاد الناطق باسم الجيش الإسرائيلي باللغة العربية، أفيخاي أدرعي، حملةً مستمرة على منصات التواصل ضد الشريف، متهمًا إيّاه تكرارًا بالانتماء إلى الجناح العسكري لحركة حماس. وقد نفت هذه الاتهاماتَ كلٌّ من قناة الجزيرة والشريف نفسه، كما رأت فيها منظمات حرية الصحافة تمهيدًا للاغتيال.

دعوات الحماية الدولية

إدراكًا لتصاعد الخطر، دعت منظمات دولية عدة إلى توفير الحماية للشريف. ففي يوليو/تموز 2025، ندّدت المقررة الخاصة للأمم المتحدة، إيرين خان، بالتهديدات المتكررة وحملات التشويه التي شنها الجيش الإسرائيلي ضد الشريف، ووصفتها بأنها محاولات خطيرة لإسكات تقاريره. وأطلقت لجنة حماية الصحفيين حملة تدعو المجتمع الدولي إلى حمايته، وقالت المديرة الإقليمية في اللجنة، سارة قضاه: “نشعر بقلق عميق من التهديدات المتكررة التي يطلقها الناطق باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي ضد مراسل الجزيرة في غزة أنس الشريف”.

كما أطلق محمد دوار من منظمة العفو الدولية حملة #protectanasalsharif بعد تصاعد التهديدات، مؤكدًا أن “الاتهامات الكاذبة التي تلصقها إسرائيل بالصحفيين الفلسطينيين إنما توقّع فعليًا أوامر اغتيالهم”.

الساعات الأخيرة والشهادة

في مساء 10 أغسطس/آب 2025، واصل الشريف تغطيته المعتادة للقصف الإسرائيلي على مدينة غزة. وقد كان آخر منشور له على وسائل التواصل يقول: “عاجل: قصف إسرائيلي عنيف ومركّز باستخدام ‘أحزمة النار’ يضرب المناطق الشرقية والجنوبية من مدينة غزة.” وقد رافق المنشور مقطع فيديو التقط الأصوات المروّعة للغارات، بينما تلألأ الليل بشُعلٍ برتقالية.

وعند حوالي الساعة 11:35 ليلًا (20:35 بتوقيت غرينتش) من يوم 10 أغسطس/آب 2025، استهدفت طائرة مُسَيّرة إسرائيلية خيمةَ الصحفيين عند المدخل الرئيسي لمستشفى الشفاء في مدينة غزة. وقُتل الشريف إلى جانب أربعة من صحفيي الجزيرة: المراسل محمد قريقه، والمصورين إبراهيم زاهر، ومحمد نوفل، ومؤمن عيليوة. كما قُتل صحفي سادس ومساعد.

وأعلنت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية فورًا مسؤوليتها عن عملية الاغتيال، زاعمةً أن الشريف عنصر في حركة حماس. وقد قوبلت هذه الادعاءات برفضٍ شامل من منظمات حرية الصحافة ومن قناة الجزيرة، وذكرت لجنة حماية الصحفيين: “إن نمط إسرائيل المتمثل في وصف الصحفيين بأنهم مسلحون من دون تقديم أدلة موثوقة يثير أسئلة خطيرة بشأن نواياها واحترامها لحرية الصحافة.”

وصية مكتوبة مسبقًا

دليلًا على وعيه الدائم بالخطر المحدق به، كتب الشريف رسالة أخيرة في 6 أبريل/نيسان 2025، لتنشر في حال وفاته، وقد جاء في الرسالة:

هذه وصيّتي، ورسالتي الأخيرة. إن وصلَتكم كلماتي هذه، فاعلموا أن إسرائيل قد نجحت في قتلي وإسكات صوتي.

بداية السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يعلم الله أنني بذلت كل ما أملك من جهدٍ وقوة، لأكون سندًا وصوتًا لأبناء شعبي، مذ فتحت عيني على الحياة في أزقّة وحارات مخيّم جباليا للاجئين، وكان أملي أن يمدّ الله في عمري حتى أعود مع أهلي وأحبّتي إلى بلدتنا الأصلية عسقلان المحتلة “المجدل” لكن مشيئة الله كانت أسبق، وحكمه نافذ. عشتُ الألم بكل تفاصيله، وذُقت الوجع والفقد مرارًا، ورغم ذلك لم أتوانَ يومًا عن نقل الحقيقة كما هي، بلا تزوير أو تحريف، عسى أن يكون الله شاهدًا على من سكتوا ومن قبلوا بقتلنا، ومن حاصروا أنفاسنا ولم تُحرّك أشلاء أطفالنا ونسائنا في قلوبهم ساكنًا ولم يُوقِفوا المذبحة التي يتعرّض لها شعبنا منذ أكثر من عام ونصف.

أوصيكم بفلسطين، درةَ تاجِ المسلمين، ونبضَ قلبِ كلِّ حرٍّ في هذا العالم. أوصيكم بأهلها، وبأطفالها المظلومين الصغار، الذين لم يُمهلهم العُمرُ ليحلموا ويعيشوا في أمانٍ وسلام، فقد سُحِقَت أجسادهم الطاهرة بآلاف الأطنان من القنابل والصواريخ الإسرائيلية، فتمزّقت، وتبعثرت أشلاؤهم على الجدران. أوصيكم ألّا تُسكتكم القيود، ولا تُقعِدكم الحدود، وكونوا جسورًا نحو تحرير البلاد والعباد، حتى تشرق شمسُ الكرامة والحرية على بلادنا السليبة.

أُوصيكم بأهلي خيرًا، أوصيكم بقُرّة عيني، ابنتي الحبيبة شام، التي لم تسعفني الأيّام لأراها تكبر كما كنتُ أحلم. وأوصيكم بابني الغالي صلاح، الذي تمنيت أن أكون له عونًا ورفيق دربٍ حتى يشتدّ عوده، فيحمل عني الهمّ، ويُكمل الرسالة. أوصيكم بوالدتي الحبيبة، التي ببركة دعائها وصلتُ لما وصلت إليه، وكانت دعواتها حصني، ونورها طريقي. أدعو الله أن يُربط على قلبها، ويجزيها عنّي خير الجزاء. وأوصيكم كذلك برفيقة العمر، زوجتي الحبيبة أم صلاح بيان، التي فرّقتنا الحرب لأيامٍ وشهورٍ طويلة، لكنها بقيت على العهد، ثابتة كجذع زيتونة لا ينحني، صابرة محتسبة، حملت الأمانة في غيابي بكلّ قوّة وإيمان. أوصيكم أن تلتفوا حولهم، وأن تكونوا لهم سندًا بعد الله عز وجل.

إن متُّ، فإنني أموت ثابتًا على المبدأ، وأُشهد الله أني راضٍ بقضائه، مؤمنٌ بلقائه، ومتيقّن أن ما عند الله خيرٌ وأبقى. اللهم تقبّلني في الشهداء، واغفر لي ما تقدّم من ذنبي وما تأخّر، واجعل دمي نورًا يُضيء درب الحرية لشعبي وأهلي. سامحوني إن قصّرت، وادعوا لي بالرحمة، فإني مضيتُ على العهد، ولم أُغيّر ولم أُبدّل. لا تنسوا غزة… ولا تنسوني من صالح دعائكم بالمغفرة والقبول.

أنس جمال الشريف، 06.04.2025.

الأثر في الصحافة وحرية الإعلام

كان اغتيال الشريف جزءًا من نمط أوسع لاستهداف الصحفيين من قبل القوات الإسرائيلية. ووفقًا للجنة حماية الصحفيين، فقد تأكد مقتل ما لا يقل عن 186 صحفيًا منذ أن شرعت إسرائيل في عملياتها العسكرية في غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023. وتضع مصادر أخرى العددَ أقرب إلى 270 صحفيًا قُتلوا.

وقد وُصفت عملية قتل الشريف، إلى جانب صحفيين فلسطينيين بارزين آخرين مثل إسماعيل الغول وحسّام شبات، بأنها حملة متعمدة لإسكات التغطية لفعاليات الجيش الإسرائيلي في غزة. وقد أشارت منظمة “مراسلون بلا حدود” إلى أن استهداف الصحفيين في غزة أفضى إلى “تعتيـم معلوماتي” في بعض المناطق.

حرب المعلومات

جاء عمل الشريف ضمن سياق أوسع لما يصفه كثير من المحللين بـ”حرب المعلومات”، حيث غدا التحكم في السرد لا يقل أهمية عن الأهداف العسكرية. ومن خلال حظر دخول الصحفيين الدوليين إلى غزة بالتزامن مع استهداف المراسلين الفلسطينيين المحليين، سعت إسرائيل — بحسب ما قاله مدير مستشفى الشفاء الدكتور محمد أبو سلّمية — إلى الإعداد لـ”مجزرة كبرى في غزة، ولكن هذه المرة بلا صوت ولا صورة”.

وقد حاول مسؤولون إسرائيليون مرارًا النيل من مصداقية الصحفيين الفلسطينيين الذين قُتلوا بوصفهم “عناصر في حماس”، لكن اغتيال شيرين أبو عاقلة يفضح زيف هذا الادعاء؛ إذ خلصت تحقيقات مستقلة متعددة — بما في ذلك مراجعة مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وإعادات بناء من وسائل إعلام أميركية ودولية، وفيلم وثائقي جديد ذكرته سي إن إن — إلى أنها أُصيبت برصاص إسرائيلي بينما كانت واضحة الهوية كصحفية، من غير أدلة على نشاط مسلح أو تبادل إطلاق نار تسبب بمقتلها، في حين أقفل الجانب الإسرائيلي تحقيقه الداخلي بلا أي اتهامات جنائية، وظل يقول إنه “حادث”.

Shireen Abu Akleh - Wikipedia

إن اغتيال أنس الشريف في 10 أغسطس/آب 2025 مثّل قتلًا متعمّدًا لأحد آخر الشهود على الإبادة في غزة. لكن إرثه يتجاوز رحيله، مُجسِّدًا شجاعة الصحفيين الفلسطينيين الذين خاطروا بأرواحهم وبذلوها ليضمنوا ألا تُطمس حقيقة معاناة شعبهم من ذاكرة التاريخ.

كلماته الأخيرة — “لا تنسوا غزة. ولا تنسوني من دعائكم الصادق” — دعوةٌ للجميع كي لا يكفّوا عن الكلام بشأن معاناة الغزّيين وجرائم الدولة الإسرائيلية غير المشروعة. وسأحاول، ما استطعت، أن أفي بوصية أنس وأن أكون صوتًا لكل فلسطيني. وينبغي لكلٍّ منا أن يحاول الشيءَ نفسه.

تنويه: كُتب هذا المقال بمساعدة الذكاء الاصطناعي. وقد جرى التحقق من صحة جميع المعلومات الواردة فيه. وأرحّب بدعوتكم لإعادة التحقق منها.

المراجع:

  1. https://journals.sagepub.com/doi/pdf/10.1177/17506352231184154
  2. https://noyam.org/?download_id=6253&smd_process_download=1
  3. https://journals.sagepub.com/doi/pdf/10.1177/0022343316680859
  4. https://www.tandfonline.com/doi/full/10.1080/13629387.2024.2430781
  5. https://www.degruyter.com/document/doi/10.1515/opis-2020-0126/pdf
  6. https://www.dw.com/en/israel-kills-al-jazeera-journalist-anas-al-sharif-in-gaza/a-73595271
  7. https://www.aljazeera.com/news/2025/8/10/al-jazeera-journalist-anas-al-sharif-killed-in-israeli-attack-in-gaza-city
  8. https://en.wikipedia.org/wiki/anas_al-sharif
  9. https://www.ndtv.com/world-news/anas-al-sharif-israel-hamas-war-al-jazeera-journalist-killed-in-gaza-strike-9060022
  10. https://www.ndtv.com/world-news/al-jazeera-journalist-anas-al-sharifs-last-post-before-being-killed-in-gaza-by-israeli-strike-israel-succeeded-israel-gaza-war-9059740
  11. https://www.instagram.com/anasjamal44/?hl=ar
  12. https://www.bbc.com/news/articles/ceqyyrp3yq9o
  13. https://www.youtube.com/watch?v=bzhrql-cyv0
  14. https://www.aljazeera.com/news/liveblog/2025/8/11/live-israel-claims-responsibility-for-murder-of-al-jazeeras-al-sharif
  15. https://www.aljazeera.com/features/2025/8/11/israel-kills-anasal-sharif-and-four-al-jazeera-in-gaza-what-to-know
  16. https://www.reuters.com/world/middle-east/israel-strike-kills-al-jazeera-journalists-gaza-2025-08-11/
  17. https://www.instagram.com/reel/dnmidnckg9-/
  18. https://www.youtube.com/watch?v=cpct-aqca-c
  19. https://ar.wikipedia.org/wiki/أنس_الشريف
  20. https://www.bbc.co.uk/news/live/c1dxndnkq6yt
  21. https://www.instagram.com/p/dnmnmdlgnrq/
  22. https://www.cbsnews.com/news/al-jazeera-journalist-anas-al-sharif-killed-israel-attack-gaza/
  23. https://www.cnn.com/world/live-news/israel-gaza-war-al-jazeera-netanyahu-08-11-25
  24. https://www.semanticscholar.org/paper/0ac0cf246fb45e596badeb9c6727496d1edf52dd
  25. https://journals.sagepub.com/doi/10.1177/002070200105600309
  26. https://www.indiatoday.in/world/story/anas-al-sharif-terrorist-israel-reporter-al-jazeera-gaza-city-palestine-hamas-israel-idf-war-jounalists-killed-profile-2769423-2025-08-11
  27. https://institute.aljazeera.net/en/ajr/article/3298
  28. https://www.thenationalnews.com/news/mena/2025/08/11/who-was-anas-al-sharif-the-voice-of-gaza-killed-by-israel/
  29. https://www.all4palestine.org/modeldetails.aspx?gid=16&mid=121071
  30. https://www.khaleejtimes.com/world/mena/al-jazeera-anas-al-sharif-death-final-message
  31. https://www.independent.co.uk/voices/anas-alsharif-al-jazeera-israel-gaza-killed-b2805399.html
  32. https://www.middleeasteye.net/news/al-jazeera-journalist-anas-al-sharifs-final-will-assassination-israel
  33. https://www.newarab.com/news/who-was-anas-al-sharif-journalist-killed-israel-gaza

قضية الأطفال اليمنيين: قصة “سرقة” أطفال داخل الأراضي المحتلة

قضية الأطفال اليمنيين: قصة “سرقة” أطفال داخل الأراضي المحتلة

بين عامي 1948 و1954، نفذت السلطات الإسرائيلية برنامجًا منهجيًا لـ”نقل” الأطفال من أسرة إلى أخرى بناءً على الأصل العرقي. استهدف البرنامج العائلات اليهودية المهاجرة من اليمن وغيرها من مجتمعات الميزراحيين (اليهود الشرقيين)، ما أدى إلى اختفاء آلاف الأطفال الذين نُقلوا لاحقًا إلى عائلات أشكنازية من خلال شبكة من المؤسسات التابعة للدولة.

حققت ثلاث لجان حكومية رسمية في هذه القضية على مدار خمسة عقود، حيث أقرت اللجنة النهائية، لجنة كوهين-كيدمي، في عام 2001 باختفاء 69 طفلاً دون أثر من مستشفيات الدولة ومؤسساتها، التي كذب ممثلوها على العائلات بشأن مصير أطفالهم. لكن وثائق الباحث ناثان شيفريس الشاملة تكشف عن نطاق أوسع بكثير، مع توثيق 2050 حالة تظهر أن 96% من الأطفال المختفين كانوا من أصل ميشراحي، وكان حوالي ثلثيهم من اليمنيين.

كان الاستهداف منهجيًا وليس عرضيًا: فرغم أن الأطفال اليمنيين شكلوا فقط 6.9% من إجمالي الهجرة، اختفى طفل واحد من بين كل خمسة أطفال يمنيين، مقارنة بطفل واحد من بين كل 53 طفلًا مزراحيًا، وطفل واحد من بين كل 255 طفلًا أشكينازيًا.

Yemenite Jewish families arriving in Israel during Operation Magic Carpet in 1949-1950

وتُعَد أدلة “التطبيق المنهجي” (الأدلة الأكاديمية) أكثر أهمية من الوثائق الحكومية الرسمية، فوفقًا لأبحاث أكاديمية نشرتها روث أمير من كلية وادي يزرعيل، تم إصدار توجيه من قبل مجلس الوزراء الإسرائيلي يأمر بإزالة الرضع اليمنيين قسرًا إلى دور الأطفال في مخيمات المهاجرين. كان هذا التوجيه قائمًا بشكل صريح على أساس عرقي، فاستهدف المهاجرين اليهود من اليمن بغض النظر عن الظروف الأسرية أو الحاجة الفردية.

وثق الأساس الإيديولوجي للسياسة في مراسلات رئيس الوزراء دافيد بن جوريون مع رئيس أركان الجيش ييجال يدين بتاريخ 27 نوفمبر 1950، فقد وصف بن جوريون اليهود اليمنيين بأنهم “متخلفون عنا بألفي عام” ويفتقرون إلى “المبادئ الأساسية والأولى للحضارة”. ترسخ هذه المراسلات الإطار التمييزي الذي برر التدخل المنهجي في العائلات اليمنية.

ويُقال إن جيورا يوسفثال، مدير قسم الاستيعاب في الوكالة اليهودية، أصدر الأمر التشغيلي المحدد قائلاً: “لأن بعض الأمهات اليمنيات رفضن تسليم أطفالهن إلى المستشفيات أو دور الأطفال، رغم أن الأطفال كانوا معرضين للخطر إذا لم يتم علاجهم في مؤسسة طبية، فإنه من الضروري في مثل هذه الحالات أخذ الأطفال قسرًا”. هذا التوجيه أجاز فصل الأطفال عن ذويهم بالقوة بناءً على التصنيف العرقي فقط.

البنية التحتية المؤسسية وآليات التنفيذ

شمل الطابع المنهجي للبرنامج عدة مؤسسات تابعة للدولة تعمل بالتنسيق. لعبت المنظمة الصهيونية النسائية الدولية (ويزو) دورًا رئيسيًا في عملية التبني. وفقًا لشهادات أمام لجنة كوهين-كيدمي، أدارت هذه المؤسسات شبكة من دور الأطفال التي عملت كمنشآت وسطية بين المستشفيات والعائلات المتبنية.

شهدت سارة بيرل، الممرضة السابقة في ويزو، على طريقة تشغيل المؤسسات قائلة: “كانوا يجلبون لنا الأطفال المرضى باستمرار… وبمجرد شفائهم، كانوا يُؤخذون… كنا دائمًا كاملين بنسبة 100٪. لم يأتِ الوالدان البيولوجيان أبدًا. لكن المانحين جاءوا”. وعندما تساءلت بيرل عن سبب عدم زيارة الوالدين، أجاب المسؤولون: “(الآباء) لديهم الكثير من الأطفال والكثير من المشاكل، لذا فهم لا يريدون أطفالهم”.

يُبرهن استبعاد العائلات البيولوجية بشكل منهجي على شهادة أخرى من سارة لايخت، ممرضة في ويزو تل أبيب، التي وصفت بأنها مُنعت من الوصول إلى ملفات التبني وهددت بالطرد من برامج التمريض إذا حاولت مراجعة الوثائق. فقط المدير والموظفون المحددون كان لهم اتصال بملفات التبني، مما ضمن الفصل الكامل بين أصول الأطفال ووجهاتهم.

تورط نظام الرعاية الصحية

كانت المؤسسات الصحية الوسيلة الأساسية لإزالة الأطفال؛ وثق الدكتور منديل، رئيس مستشفى الأطفال في مخيم روش هعين، ظروفًا مروعة تشمل نقص في الماء الجاري، ومعدات التعقيم، وتفشي الفئران والجرذان التي تعض الرضع. ساهمت هذه الظروف في ارتفاع معدلات الوفيات وسهلت اختفاء الأطفال من خلال الفوضى الإدارية.

شهدت هنا جيبوري، عاملة الرعاية الاجتماعية من 1948 إلى 1954 ورئيسة خدمات التبني في المنطقة الشمالية، أن “الأطباء في المستشفيات سلموا الرضع للتبني مباشرة من المستشفى، دون تدخل وكالات التبني الرسمية”. وأشارت إلى أن الأطفال في رعايتها وُضعوا لدى عائلات دون إجراءات تبني رسمية.

تأكد الطابع المنهجي لعمليات المستشفيات من خلال عدة شهادات تصف نمطًا متكرراً: تم أخذ الأطفال إلى المستشفيات رغم تأكيدات الوالدين بأن الطفل كان صحيًا، ثم نُقل إلى مؤسسات مثل ويزو، بينما أُبلغ الوالدان أن أطفالهم قد ماتوا. في حالات موثقة، مُنع الأهالي من الزيارات، ورفضت طلباتهم الوصول إلى شهادات الوفاة، ومُنعوا من رؤية الجثث أو أماكن الدفن.

نظام مخيمات العبور والسكن المنفصل

عمل برنامج إزالة الأطفال ضمن بنية أوسع من مخيمات العبور المنفصلة المصممة للسيطرة على السكان المهاجرين. تم إسكان المهاجرين اليمنيين في مخيمات تشمل أثليت، وبارديسيا، وروش هعين، وعين شمير، التي أُديرت تحت نظام تأديبي عسكري حيث لم يُسمح للمهاجرين بالمغادرة دون إذن وكانوا معتمدين كليًا على إدارة المخيم من أجل المعيشة.

أدلت سونيا ميلشتاين، الممرضة الرئيسية في عين شمير، بشهادة مهمة أمام لجنة كوهين-كيدمي عن التبرير الإيديولوجي قائلة: “الإيديولوجيا هي أننا نريد تربية أطفال متكاملين، مخلصين، عاملين، وأصدقاء لنا”. وأشارت صراحة إلى نموذج الكيبوتس لتربية الأطفال الجماعية كمبرر لفصل الأطفال عن ذويهم.

تم تصميم المخيمات لتسهيل إزالة الأطفال من خلال عدة آليات: كانت دور الأطفال ميزة قياسية بغض النظر عن حالة صحة العائلة، وكان الأطفال يُفصلون روتينيًا عن ذويهم تحت ذرائع الرعاية غير الكافية، ومنعت القيود الصارمة على الزيارات متابعة العائلة لقرارات المؤسسات. توضح الوثائق أن ظروف دور الأطفال كانت غالبًا أفضل من سكن العائلات، مما خلق مبررًا للفصل “المؤقت” الذي أصبح دائمًا.

دليل على نقل الأطفال إلى عائلات أشكنازية

توثق مصادر متعددة نقل الأطفال المُزالين بشكل منهجي إلى عائلات أشكنازية داخل البلاد وخارجها. افتقر نظام التبني في خمسينيات القرن الماضي إلى الرقابة التنظيمية، حيث وصف هـ. ليبوفيتز، رئيس خدمات التبني آنذاك، ترتيبات تبني غير رسمية متعددة تشمل الأطفال “الموضوعة من قبل طرف ثالث”. سمح القانون الإسرائيلي في ذلك الوقت بأخذ الأطفال خارج البلاد دون جوازات سفر وسمح بالتسجيل المتأخر للمواليد حتى سن عام واحد من خلال إقرارات بسيطة.

وفرت التحاليل الوراثية من خلال مبادرة ماي هيريتاج 2016 تأكيدًا جينيًا لتبني غير منتظم. لقد حدد برنامج الفحص، الذي قدم 15000 اختبار دي إن إيه مجاني خصيصًا للعائلات اليمنية، حالات متعددة حيث تم مطابقة الأفراد المتبنين مع عائلات قيل لها إن أطفالها ماتوا. بينما أكدت بعض الاختبارات الوفيات كما زعمت السلطات، كشف البعض الآخر عن متبنين أحياء، مما يدعم الشكوك حول مدى النقل المنهجي.

تُوثَّق البُعد الدولي من خلال شهادات عن “شحن الأطفال إلى مؤسسات صهيونية أمريكية تعمل في إسرائيل، مثل ويزو وهداسة، ومن هناك تم تبنيهم” محليًا وخارجيًا. أتاح غياب إجراءات التبني الرسمية نقلًا دون وثائق يمكن أن تكشف لاحقًا عن الطبيعة المنهجية للبرنامج.

سياق سياسة التمييز المنهجية

كان برنامج إزالة الأطفال جزءًا من سياسة أوسع للتمييز المحسوب ضد اليهود الميشراحيين. توضح الأبحاث أن التمييز ضد المهاجرين الميشراحيين كان سياسة محسوبة تفضل المهاجرين الأوروبيين بشكل واعٍ. بين عامي 1954 و1956، وصل 75000 مهاجرًا من المغرب وتونس، شكلوا 85% من الهجرة، ومع ذلك أُرسل 70-90% منهم إلى مدن تنموية طرفية بينما سُمح للمهاجرين من أوروبا الشرقية بالاستقرار في المناطق المركزية.

تكشف تصريحات بن جوريون السياسية الموثقة الإطار الاندماجي. في عام 1954، حذر من الخطر المتمثل في “أن نصبح شعبًا ليفانتيًا”، مؤسسًا هرمية واضحة من “الأشكناز (اليهود المتعلمون) > اليهود ‘الشرقيون’ (غير المتعلمين) > العرب”. شملت مراسلاته استخدام القوات العسكرية “لتصحيح وإعادة تصميم مجموعات سكانية مثل اليهود اليمنيين والميشراحيين”.

تضمن السياسة العلمانية القسرية وتدمير الثقافة. في مخيم العبور حاشد في عدن، اشتكى الأهل من أن المعلمين العلمانيين يغرسون في الأطفال الاشتراكية والصهيونية مع تقييد الحرية الدينية. كانت الظروف متعمدة القسوة، حيث قال مسؤول إن “جميع أطفال المخيمات سيتم تبنيهم ليس فقط خلال موسم الفيضانات بل سيبقون مع الأسر الحاضنة في المستقبل لمنع المعاناة من السكن في المخيمات”.

Yemenite Jewish children and families during Operation Magic Carpet airlift to Israel in 1949-1950

التغطية وتدمير الأدلة

كشف تقرير مدقق الحسابات لعام 2024 أن حاسوب لجنة كوهين-كيدمي الذي يحتوي على السجلات الإلكترونية فُقِدَ بطريقة غامضة من أرشيف الدولة. تم إيداع الحاسوب عام 2001 لكنه اختفى دون حفظ المحتويات، مما يثير القلق من تدمير أدلة رقمية حيوية.

وتَعَرّض أرشيف الدولة لانتقادات بسبب سوء إدارة منهجي، ولم يُعاد 138 ملفًا من الملفات المؤرشفة التي أُعيرت إلى موظفين سابقين في الأرشيف، ووجدت مواد سمعية وبصرية من لجنة كوهين-كيدمي مخزنة بشكل غير لائق في حاوية مفتوحة في ممر بدلاً من مرافق أرشيفية مناسبة. وقعت هذه الإخفاقات رغم القرارات الحكومية في 2016 لتصنيف مواد اللجنة وترشيحها.

ختمت لجنة كوهين-كيدمي عدة شهادات حتى عام 2017 بحجة خصوصية الأفراد. ومع ذلك، يكشف فهرس أرشيف الدولة الإسرائيلي أكثر من 300,000 ملف مصنف، بما في ذلك آلاف الملفات التي يعود تاريخها إلى 1800s ولا تزال مصنفة. تشير التصنيفات المنهجية للوثائق التاريخية إلى جهود مستمرة لقمع المساءلة عن سياسات الدولة.

توثيق الحجم والأثر

يتضح نطاق البرنامج المنهجي من خلال مصادر بيانات متعددة. وفقًا لنتائج لجنة كوهين-كيدمي نفسها، من بين 1033 قضية تم فحصها، زُعم أن 972 طفلًا قد توفوا في حين ظلت 69 قضية دون حل مع تأكيد باختفاء الأطفال من مستشفيات الدولة دون أثر. ومع ذلك، توثق أبحاث ناثان شيفريس 2050 قضية مع أدلة واضحة على استهداف عرقي منهجي.

ويتضح الأثر الديموغرافي عند النظر في أن 49000 يهوديًا يمنياً جُلبوا إلى إسرائيل خلال عملية السجادة السحرية بين عامي 1949-1950. مع تقارير عائلات تفيد بأن واحدًا من كل ثمانية أطفال يمنيين اختفى، ووثائق تظهر 25 حالة أعيد فيها الأطفال إلى العائلات فقط بعد “احتجاجات حازمة وصاخبة” من الآباء، فإن الطبيعة المنهجية للاختفاءات لا يمكن إنكارها.

وصلت إشعارات التجنيد العسكري التي تأتي بعد 18 عامًا للأطفال الذين يُزعم أنهم توفوا، كدليل صارخ على الخداع الإداري. تلقت العائلات رسائل رسمية موجهة إلى الأطفال المفقودين بما في ذلك أوامر التجنيد العسكري، وإشعارات الناخبين، وشهادات تدعي أن الأطفال غادروا البلاد. في بعض الحالات، قامت الشرطة العسكرية بإجراء عمليات تفتيش ليلية في منازل العائلات للبحث عن الأطفال الذين يُزعم أنهم هربوا.

الاعتراف الدولي والإجراءات القانونية

أكدت التحقيقات الدولية الطبيعة المنهجية للقضية. قدرت تحقيقات الوثائقي التي أجرتها الجزيرة في 2024 أن أكثر من 2000 رضيع اختفوا، ووصفتهم بأنهم “ضحايا مشتبه بهم للتبني غير النظامي”. فحصت تحقيقات سي إن إن نمطًا متسقًا من إخبار العائلات بأن الأطفال ماتوا دون عرض جثث أو شهادات وفاة، مع تقارير من الأمهات بأن أطفالهن “تم رميهم”.

في عام 2018، قدمت عشرات العائلات المتضررة دعوى قضائية جماعية تطالب بتعويضات من دولة إسرائيل والوكالة اليهودية. تجادل الدعوى بأن لا يسري قانون التقادم بناءً على التستر المستمر، مع قول المحامين: “لا يمكنك التحدث عن قانون التقادم عندما يستمر الطرف المدعي في تضليل المدعي. عندما يتم تدمير الأرشيفات والسجلات الطبية، ولا يحضر الشهود، ولا تُجرى التحقيقات”.

برنامج تعويض الحكومة الإسرائيلية لعام 2021، الذي تمت الموافقة عليه بمبلغ 162 مليون شيكل جديد (50 مليون دولار)، رافقه وصف رئيس الوزراء نتنياهو للمسألة بأنها “جرح مفتوح لا يزال ينزف”. ومع ذلك، أبدت الحكومة ندمها لكنها لم تقدم اعتذارًا رسميًا، واستُبعدت العديد من العائلات من التعويضات.

الوضع الحالي والتستر المستمر

رغم انطلاق ثلاثة تحقيقات رسمية استمرت أكثر من خمسة عقود، لا تزال الأسئلة الأساسية دون إجابة بسبب التعتيم المنهجي على الأدلة. تم الإفراج عن أكثر من 300,000 ملف مصنف ذات صلة بالقضية فقط بين 2016 – 2018، وأمرت وزيرة العدل أييليت شاكيد ويزو وهداسة بإصدار أرشيفهم. ومع ذلك، تشير التحليلات إلى أن الوثائق المفرج عنها قد لا تحتوي على أدلة تبرئ، حيث لا تزال الرأي العام يدعم نظرية الخطف رغم الكشف الأرشيفي الشامل.

يعزو أرشيف الدولة استمرار احتجاز الوثائق الحساسة، حيث يكشف كتالوج عام 2019 عن آلاف الملفات التي تعود إلى ما قبل تأسيس إسرائيل والتي لا تزال مصنفة، بعضها يعود إلى القرن التاسع عشر. يشير هذا إلى أن التوثيق الكامل للبرنامج المنهجي لا يزال تحت السيطرة الحكومية، مما يمنع تحقيق المساءلة الكاملة.

قدمت مبادرات فحص الحمض النووي الحديثة بعض الحلول بينما أثارت أسئلة جديدة. في حين أكد بعض الاختبارات الوفيات كما زعمت السلطات، اكتشف آخرون متبنين أحياء، مما يقوي الأدلة على نطاق برنامج النقل المنهجي. لا تزال الاكتشافات المستمرة للروابط الأسرية البيولوجية من خلال الفحص الجيني تكشف مدى إزالة الأطفال المنهجية.

نَقْل عرقي ممنهج للأطفال

تمثل قضية أطفال اليمن أكثر بكثير من إخفاقات إدارية خلال فترة فوضوية من تاريخ إسرائيل. تكشف الأدلة عن برنامج منهجي لإزالة الأطفال على أساس عرقي، تم تنفيذه من خلال توجيه حكومي رسمي، ونُفذ عبر مؤسسات تابعة للدولة، وتم تبريره من خلال أيديولوجية تمييزية صنفت اليهود الميشراحيين كأهل غير لائقين بينما تم تصوير مؤسسات الأشكناز كبيئات تربية أطفال متفوقة.

يتضح الطابع المنهجي للبرنامج من خلال: التوجيه الرسمي لمجلس الوزراء الذي يأمر بالإزالة القسرية لرضع اليمن؛ الاستهداف العرقي غير المتناسب حيث يمثل الميشراحيون 96٪ من الأطفال المختفين؛ البنية التحتية المؤسسية المنسقة التي تضمنت المستشفيات ومنظمات النساء وخدمات التبني؛ أنماط العمليات المتسقة عبر عدة منشآت ومواقع جغرافية؛ والتغطية المنهجية التي شملت تدمير الأدلة وختم الشهادات حتى عام 2071.

بينما قدمت الحكومة الإسرائيلية تعويضات محدودة واعترفت ببعض الأخطاء، يشير غياب الاعتذار الرسمي واستبعاد العديد من العائلات المتضررة من برامج التعويض والتصنيف المستمر للوثائق الرئيسية إلى أن المساءلة الكاملة لم تتحقق بعد.

تُظهر الأدلة أن هذا لم يكن مجرد سلسلة من الحوادث المعزولة أو الإخفاقات البيروقراطية، بل سياسة دولة متعمدة تستهدف مجتمعات عرقية معينة لأغراض الاندماج، نُفذت من خلال إزالة الأطفال بصورة منهجية من العائلات التي اعتُبرت أدنى ثقافيًا ونقلهم إلى عائلات اعتُبرت أكثر ملاءمة لتربية مواطنين إسرائيليين مستقبليين وفقًا للنموذج الثقافي الأشكنازي السائد.

المصادر المرجعية

https://en.wikipedia.org/wiki/Kedmi_Commission

https://www.972mag.com/state-opens-files-on-disappeared-yemenite-children-but-is-it-enough/

https://jewishreviewofbooks.com/contemporary-israel/12266/kidnapping-history/

https://www.nli.org.il/en/articles/RAMBI997013326028505171/NLI

https://www.972mag.com/the-tragedy-of-the-lost-yemenite-children-in-the-footsteps-of-the-adoptees/

https://www.associationforjewishstudies.org/podcasts/the-yemenite-children-affair-and-the-story-of-the-mizrahi-jews-in-the-development-of-the-state-of-israel-transcript

https://njjewishnews.timesofisrael.com/israels-mizrahi-community-still-mourns-vanished-children/

https://www.ynetnews.com/articles/0,7340,L-4825751,00.html

ومصادر أخرى.

ملحوظة: أنشأنا هذا المحتوى بمعاونة الذكاء الاصطناعي.

دليل العدو اللدود لتفكيك الدول الشدود

دليل العدو اللدود لتفكيك الدول الشدود

اليوم نتحدث عن واحد من أهم أشكال البروباجندا الخفية، التي أطلق عليها يوري بيزمينوف، الصحفي التابع للمخابرات الروسية “KGB”، والمنشق عن الاتحاد السوفيتي السابق الذي اتجه إلى الولايات المتحدة “أرض الحريات”، اسم “subversion & demoralization”. تعني كلمة “subversion” التخريب، بينما تعني كلمة “demoralization” فقدان الأخلاقيات.

والبروباجندا، بعكس ما يدعو كثير من الناس، لا تتمثل في الحملات الإعلانية والترويجية الضخمة التي تتكلف ملايين الدولارات، إنما هي مجموعة من الممارسات التي تهدف إلى التأثير في الرأي العام، والتلاعب بأفكار الجماهير، وتعديل سلوكهم بصورة ما. في مقال آخر سنلقي الضوء على ماهية البروباجندا ونشأتها.

وقد ألقى بيزمينوف محاضرة مهمة خلال ثمانينيات القرن الماضي تحدث فيها عمّا أسماه “البروباجندا السوفيتية”، وكيف تؤثر هذه البروباجندا في المواطنين الأمريكيين تأثيرًا ضخمًا رغم عدم ملاحظتهم إياه.

بعيدًا عن رواية الصحفي -السوفيتي سابقًا الأمريكي لاحقًا- الحادة ضد وطنه الأم، التي -في رأيي المتواضع- تقع ضمن إطار البروباجندا الأمريكية ضد الشيطان الأحمر، فقد أشار إلى عدد من النقاط المهمة التي يستغلها مروجو البروباجندا في كل مكان وزمان، والتي ربما نكون نحن -هنا والآن- واقعين تحت تأثيرها، الأمر الذي دفع مجتمعاتنا المسلمة/المصرية/العربية إلى التشتت فكريًا، التصارع يوميًا.

الحرب المباشرة أغبى وسائل فَرْض الأيديلوجية

يرى بيزمينوف أن اللجوء إلى الخيار العسكري من أجل تفكيك دولة ما والسيطرة عليها لهو أمر غبي غير مطلوب، ويُرَجِّح أن أغلب أفراد المخابرات الروسية (نحو 85% منهم) يعملون ضمن ما وصفه بالـ”تخريب” أو “Subversion”، وهي وسيلة تخلو من مخاطر الحرب وخسائرها، وهي أيضًا ما يُطلِق عليه آخرون اسم “الحرب الناعمة”.

وطبقًا لبيزمينوف، تحتاج العملية التخريبية تلك ما بين 15 و20 عامًا من أجل تحقيق أهدافها، وهو الزمن الذي يُمكن خلاله تعليم جيل جديد من النشء الأيديولوجية المقترنة في نهاية الأمر بتفكيك الدول داخليًا.

وهو يزعم أن النهاية الحتمية لهذه العملية احتمال من اثنين فقط: الحرب الأهلية أو التعرض إلى الغزو.

الخطوة الأولى: انتزاع الأخلاقيات

كما ذكرنا، تتضمن عملية تخريب الدول طبقًا لبيزمينوف عددًا من الخطوات، أولاهم -وأكثرهم خطورة فيما أرى- انتزاع الأخلاقيات، أو “demoralization”، والمقصود بانتزاع الأخلاق هدم أسس الدين داخل الدولة، من خلال مجموعات تهاجمه، أو تصفه بالعبثية أو اللا منطقية، أو أي شيء آخر. العنصر المهم يَكْمُن في فقدان المواطنين الثقة في الدين ومن يمثلونه، أيًا كان الدين المنظم لحياتهم.

ويبدو أن بيزمينوف يؤمن كثيرًا بدور الدين الأخلاقي، أيًا كان هذا الدين، ففي نهاية محاضرته ذكر أن الحضارات الكبرى القديمة، مثل الحضارة المصرية والبابلية والإنكا، كلها انهارت بفضل التخلي عن المُكَوِن الديني لها.

وإلى جوار هدم الدين، يشير بيزمينوف إلى عدد من المكونات الأساسية داخل المجتمع التي تستهدفها بروباجندا الدولة المُعادية، منها:

  • المجال الاقتصادي

يشير بيزمينوف إلى الرؤية الماركسية المتمثلة في “تبادل المنفعة التجاري”، أي أن شخص يمتلك شيء ما سيستبدله مع شخص ثانٍ يمتلك شيء آخر، ويوضح أن ما يفسد هذا التبادل الطبيعي ما أسماه “الاتحادات التجارية” التي سعت يومًا ما إلى إعادة الحقوق إلى العاملين، لكنها ما لبثت أن تحولت إلى قوة ضخمة تتحكم في اقتصاديات الدول، فتجعلها مترابطة داخليًا وخارجيًا، إلى أن يؤدي نشوب مظاهرات عمالية في مكان ما إلى التأثير سلبًا في حال المدن الكبرى ذات ملايين المواطنين.

  • مجال العمل العام

عادة ما يكون لكل مجتمع ممثلين حكوميين منتخبين هم أصحاب القرارات والآراء، ويشير بيزمينوف إلى أن خطوة من خطوات التخريب تتمثل في ظهور نوع جديد من أصحاب الرأي والفكر ممن يمتلكون تأثيرًا ضخمًا في عوام الناس، وهم أشخاص لم ينتخبهم أحد، وربما يكونون غير محبوبين أيضًا، وضرب بذلك مثلًا وهو الإعلام!

  • المجالان القانوني والتنفيذي

ينتقد بيزمينوف ما تقدمه السينما من صورة سلبية لرجل الشرطة الأمريكي، وظهوره كإنسان غبي، بعكس الصورة الإيجابية التي تقدمها عن المجرم، الذي قد يظهر كإنسان لطيف في آخر المطاف، وهو أمر ينعكس على مدى استقبال الجمهور لطبيعة كلٍ من الفَرْدَين.

دعاية الشركات نوع من أنواع التخريب

ضمَّن بيزمينوف دعاية الشركات الكبرى الهادفة نحو تعزيز استهلاك الأفراد بصورة غير مقبولة، وتساءل: “هل من الممكن أن ترى شركة ما تدعوك إلى عدم الاستهلاك؟”.

ولا أعرف حقيقة هل يقصد بيزمينوف أن هذه الدعاية جزء من التخريب “الخارجي” الذي يشير إليه أم لا، فهو يقول “أن من السخيف تَخَيُل أن المخابرات الروسية تقف خلف الإعلانات الأمريكية الاستهلاكية”، لكنه انتقد بشدة هذه الإعلانات، وأكد أنها تُحَوِل البشر إلى ماكينات استهلاكية.

وفي نهاية حديثه عن هذه الدعاية، طالب بيزمينوف الدولة بتشريع قوانين تمنع ما يُذاع داخل الإعلانات من كلمات تعزز الاستهلاك المفرط، مثل “اشتري أكثر لتوفر!”.

الخطوة الثانية: انعدام الاستقرار

يفترض بيزمينوف أن الدول عادة ما تُجَنِد أفرادًا عدة دخل دول الأعداء، وهؤلاء المُجَنَدين ليسوا -كما يصف ساخرًا- الرفيق إيمانوف من المخابرات الروسية الذي سيقوم بأعمال جيمس بوند ويدمر المدينة، إنما قد يكونوا أي مجموعة من الأفراد، منهم الطلاب والدبلوماسيين ورجال الدين والإعلاميين.

هؤلاء المُجَنَدين يبقون “نائمين” خلال الـ15 إلى 20 سنة، مدة فترة انتزاع الأخلاق، وفي الوقت المناسب نجدهم قد انتفضوا أحياءً من جديد، لكنهم الآن يتقلدون مناصب مهمة داخل الدولة المستهدفة.

وعن هذا الأمر يذكر بيزمينوف مثالًا أجده جديرًا بالذكر، فيشير إلى أن “الشواذ” كانوا يفعلون ما يفعلون في الخفاء، مبتعدين عن الظهور العلني، لكن فجأة تجدهم ظهروا إلى العلن، طالبين الاعتراف بهم ودعمهم، فيبدأ صراع بينهم وبين الشرطة، ثم يظهر لهذه المجموعة مؤيدين ومعارضين، فتتصارع المجموعتان!

أعتقد أن هذا المثل يُمكن تطبيقه حاليًا على عدد من المجموعات، مثل المجموعات النسوية، وما يقابلها من مجموعات ذكورية، كليهما متطرف ويمتلك عددًا ضخمًا من المؤيدين، والمعارضين بالطبع، فتجد منصات التواصل الاجتماعي لا تخلو يومًا من التراشق اللفظي بينهما!

الخطوة الثالثة: الكارثة!

الآن، وبعد أن نجحت مرحلة انتزاع الأخلاق من خلال هدم الأسس الدينية الدقيقة (التي أراها هدفًا يسعى أفراد معروفون إلى تحقيقه)، تتصاعد مرحلة انعدام الاستقرار إلى أن تصل إلى حتمية الصراع بين أفراد المجتمع بوجه عام، ويضرب بيزمينوف بهذا الأمر الأمثال التالية:

  • الزوج يصارع الزوجة -والعكس- نظرًا لاختلاف الرأي.
  • الجار يقاضي جاره لأنه يفعل شيئًا يراه خاطئًا.

وهنا يوضح بيزمينوف أن الدعوة الرئيسية الآن داخل المجتمع ستكون: هيا نتعارك! لنتعارك جميعًا ضد بعضنا بعضًا، فلم يَعُد للتنازل العقلاني والحديث الوِدِّي والتفاوض مجال بين الناس، إنما الحل في العراك!

وهو يؤكد أن أفراد المجتمع -في هذه اللحظة- يصلون إلى حالة من اللا يقين، فهم لا يعرفون كيفية التفريق بين الصواب والخطأ، ولا يدركون يمينًا أو يسارًا، وقد يعانون اللا مبالاة.

نتيجة هذا الوضع المشتعل غير المستقر قد تتعرض الدولة المُسْتَهدَفة إلى نشوب حرب أهلية، أو إلى الغزو بعد أن تفككت وشاط غضب كل من داخلها.

وفي هذه الحال يرى بيزمينوف أن هذا الصراع الداخلي الخطير الذي صار يؤرق المجتمع سيؤدي بالضرورة إلى -كما يصف- البحث عن المُخَلِّص، والمُخَلِّص في هذه الحال قد يكون حكومة أو رجل قوي يأمل المواطنون أن يُعيد الحقوق ويستجلب الأمن.

الخطوة الأخيرة: التطبيع

التطبيع هي الترجمة الحرفية للكلمة التي ذكرها بيزمينوف، وهي “normalization”، وهو يقول أنها مستقاة من الصحف السوفيتية والأمريكية في وصف دخول الدبابات مدينة براج للقضاء للسيطرة على الثورة هناك.

ويتضمن التطبيع تَخَلُّص المنتصر الأخير (فرد/حكومة) من كافة أشكال المعارضة والعملاء، أي أنها خطوة مضادة لانعدام الاستقرار عن طريق فرضه باللين و/أو القوة.

من السخرية أن بيزمينوف يتحدث طوال هذه المحاضرة عن كيف يتعامل الاتحاد السوفيتي وقت ذاك مع الولايات المتحدة الأمريكية، بينما تطبق الأخيرة كافة هذه الخطوات من أجل تدمير أعدائها، وهو ما رأيناه كثيرًا، آخره خلال حرب الكيان الصهيوني مع دولة إيران، حيث حاول الصهاينة والأمريكيين تفكيك الدولة داخليًا واختراقها، وهو ما نجحوا فيه بنسبة كبيرة، لكن المفاجأة أن الشعب الإيراني لم يفقد الثقة في حكومته، ما جعل الدولتين الارهابيتين تعود خطوة إلى الخلف، وإعادة تقييم الموقف!

إن الدرس الرئيسي المستفاد من محاضرة بيزمينوف: فّكِّر جيدًا فيما يُعْرَض عليك من أفكار؛ مع دخول منصات التواصل الاجتماعي إلى عقل كل إنسان، وقبلها الراديو والتلفاز، ازداد عدد من يستطيعون التأثير في أفكارنا، بل وتفكيكها تمامًا.

هؤلاء الأفراد قد يتضمنون أي فرد: رجل يدّعي العلمانية و/أو الليبرالية، والشيخ المُتَدّيِن، والمدرب الرياضي، ومذيع البرامج، والمثقف، والمُغَنِي، والممثل، واللايف كوتش، والمؤثر، وصانع المحتوى، إلخ.

علينا أن نَزِن ما نستقبله من أفكار، فلا نكون كجهاز “الريسيفر” المستقبل للقنوات، لأن الله خلقنا أحرارًا أصحاب عقول، ومن مكونات الإيمان إعمال العقل، الإسلام أمرنا بذلك!

والسلام.

كلمات قيلولية – قصة قصيرة

كلمات قيلولية – قصة قصيرة

أستيقظ ظهرًا أو عصرًا، لا صباحًا، فأجد الشمس قد زاد لهيبها، ولجأت الحيوانات والبشر -من استطاع منها- إلى الاحتماء من القيظ و”الصهد”، فأشعر ببعض الضيق، وكثير من الحرارة غير المبررة.

أبدأ يومي عادة بتصفح الجديد من الأخبار، ولا جديد تحت الشمس -أو خلفها- يُذْكر: العالم يتهاوى، والإنسانية تكاد تعلن انتحارها، وبعض الناس يندد، بينما بضعهم الآخر يشجب، ومباراة كرة قدم قد انتهت، وقرار سياسي قد اتخذه شخص ما بلا هدف، وأزمات اقتصادية تلوح في الأفق، وحملات ممنهجة من التخويف ونشر الرعب عبر التحدث عن مجموعة من الظواهر الجوية والأرضية والفضائية التي تعني قُرْب انتهاء العالم، والتي يؤكد مروجوها أنهم متأكدون تمامًا من حتمية حدوثها، بل قد يُرفقون بهذه النبوءات المصادر الموثوقة تمامًا بنسبة 100%، مثل شاب “مُفَلْتَر” يظهر بجانب بعض الأجهزة!

تناولت القهوة التي يفقد اليوم “عقله” دونها، وشعرت حقًا بالاطمئنان بعد أن عثرت على كل شيء في العالم كما هو، لم يزد شيئًا ولم ينقص: نفس الأحداث والمهاترات والجرائم والتعليقات.

الخطوة التالية إذًا الشروع في العمل وتنفيذ ما تأخرت عن تنفيذه، لكنني أجد الكلمات “واقفة في زوري” وعلى “طرف لساني” راغبة في الخروج، وكي لا أُصاب بإمساك الكلمات أخرجتها، فخرجت مسرعة ككلب يسعى خلف قط، لا تعرف إلى أين تذهب، ولا أعرف ماذا تريد!

هل انتهى الأمر الآن؟ ربما! بعد أن خرجت الكلمات من الفم إلى الكيبورد مباشرة أطمح في أن أعود إلى ما علي من أعمال، دون النظر إلى هذا العالم المتساقط، فلا طائل من فرط متابعة أحداثه، ولن يصيبنا بهذه المتابعة إلا خسارا.

لم أقتنع حقًا بكلماتي الأخيرة! ولن أقتنع، لكنني سأحاول ترتيب كلماتي من جديد، فربما تخرج المرة القادمة منمقة مرتبة كسائر الكلمات المنمقة المرتبة التي تتناقلها ألسنة أولئك الذين يعيشون في كوكبنا من بشر، فيتطلع عليها البشر الباقون ويؤكدون أنهم عرفوا الأسرار من مصادرها الوحيدة.

وأعود فأقول: لمَ نستيقظ مبكرًا، والحال هو الحال بلا جدال؟