يعرف الجميع أن مسؤولي الاحتلال الإسرائيلي حين يقولون “إرهابيين” يعنون السجناء.
اليوم، روج وزير الأمن الوطني الإسرائيلي إيتمار بن غفير حملته لقانون عقوبة الإعدام الموجه للسجناء الفلسطينيين (الذين يلصقهم هو وحلفاؤه في حزب “عصمه يهوديت” لقب “إرهابيين”) بارتداء دبوس ذهبي على شكل حبل شنقة خلال اجتماع لجنة الامن الوطني في الكنيست.
وقد نشر بن غفير على اكس حول الدبوسات، مؤكدا أنها تمثل التزاما بالمشروع ومعدا طرق إعدام مثل الشنق والكرسي الكهربائي أو الحقن الفتاك.
انخفض متوسط العمر المتوقع لسكان غزة إلى النصف مقارنة بما كان سيكون عليه دون الحرب! كانت هذه النتيجة الرئيسية لدراسة نشرها معهد ماكس بلانك للبحوث الديموغرافية (MPIDR) ومركز الدراسات الديموغرافية (CED).
أشارت الدراسة أيضًا إلى أن إجمالي عدد الأرواح التي فُقدت نتيجة الفظائع الإسرائيلية في غزة قد تجاوز 100,000 شخص.
Palestinians carry bags and folded cardboard boxes as they return from a food distribution point run by the US and Israeli-backed Gaza Humanitarian Foundation (GHF) group, near the Netsarim corridor in the central Gaza Strip on August 2, 2025. Aid agencies have warned that Gaza’s population is facing a catastrophic famine, triggered by Israeli restrictions on aid. (Photo by Eyad BABA / AFP) (Photo by EYAD BABA/AFP via Getty Images)
هل يمكن للمدنيين في غزة العودة إلى حياتهم الطبيعية وسط “الهدنة” (التي تسببت بوفاة 360 مدنيًا فقط)؟ الإجابة: لا!
وفقًا لتقييم صدر في فبراير الماضي، وجد القائمون عليه أن 92٪ من منازل غزة “غير صالحة للاستخدام”. إضافة إلى:
57% من المستشفيات تعمل جزئيًا (3 في شمال غزة، 10 في مدينة غزة، 3 في دير البلح، 4 في خانيونس).
9 مستشفيات ميدانية عاملة، منها 5 تعمل بالكامل و4 جزئيًا.
43٪ من مراكز الرعاية الصحية الأولية تعمل، منها 13 بالكامل و49 جزئيًا.
33% من مراكز الأونروا الصحية تعمل (المصدر: الأونروا، حتى 23 فبراير).
أكثر من مليون طفل بحاجة إلى دعم نفسي واجتماعي (المصدر: اليونيسف).
أكثر من 96٪ من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و23 شهرًا والنساء الحوامل والمرضعات لا يحصلن على احتياجاتهن الغذائية بسبب غياب التنوع الغذائي الأدنى.
إن «وقف إطلاق النار» للحرب التي استمرت عامين لم يضع حدًا للأزمة الإنسانية. العمليات الغامضة، التي وفقًا لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة اللاجئين الفلسطينيين، تنتهك القانون الدولي، ما زالت تقيّد بشكل كبير تدفق المساعدات إلى غزة.
فبينما يقترب الشتاء وتشتد المجاعة، من الضروري أن يُسمح بدخول كل هذه المساعدات دون تأخير. فإمداداتنا يمكن أن توفر الطعام… لجميع السكان لمدة ثلاثة أشهر. وهي الآن جالسة في الأردن ومصر، غير قادرة على الدخول.
كان ذلك في فبراير الماضي!
كانت داليا وسالي عبيد لا تزالان تنتظران تأشيراتهما عندما قُتلتا. طالب آخر، صخر يوسف، فقد أسرته بأكملها أثناء انتظار تأشيرته أيضًا”.
قال أحدهم، أبو بكر بشير:
إن العمليات الواسعة في جنين وطوباس أثّرت على أكثر من 95,000 فلسطيني، مع تدمير منازل وشبكات مياه وطرق، مما أدى إلى نزوح آلاف العائلات. كما سُجّل أكثر من 1,680 هجومًا من المستوطنين عبر 270 مجتمعًا، بمعدل خمس هجمات يوميًا.
إن «وقف إطلاق النار» للحرب التي استمرت عامين لم يضع حدًا للأزمة الإنسانية. العمليات الغامضة، التي وفقًا لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة اللاجئين الفلسطينيين، تنتهك القانون الدولي، ما زالت تقيّد بشكل كبير تدفق المساعدات إلى غزة.
فبينما يقترب الشتاء وتشتد المجاعة، من الضروري أن يُسمح بدخول كل هذه المساعدات دون تأخير. فإمداداتنا يمكن أن توفر الطعام… لجميع السكان لمدة ثلاثة أشهر. وهي الآن جالسة في الأردن ومصر، غير قادرة على الدخول.
بعض طالبي المساعدات في غزة لم يعودوا!
يعاني سكان غزة من مأساة لا يمكن وصفها.
قال أحد الأصدقاء من غزة: “غزة تحوّلت إلى مدينة مدمّرة غير صالحة للحياة.”
“بعد أن بدأت الحرب على غزة، حصل طالبان (توأمان) على منحة كاملة لدراسة هندسة الميكاترونكس في جامعة واترلو الكندية… كانا يدرسان بمفردهما عندما أصابت قذيفتان المبنى، فقتلا على الفور.
كانت داليا وسالي عبيد لا تزالان تنتظران تأشيراتهما عندما قُتلتا. طالب آخر، صخر يوسف، فقد أسرته بأكملها أثناء انتظار تأشيرته أيضًا”.
ذكر التقرير أن أكثر من 80 طالبًا من غزة حصلوا على منح كاملة للدراسات العليا في كندا لكنهم لا يزالون ينتظرون التأشيرات. وقالت ندى الفالو، مديرة خدمات الطلاب في منظمة “فلسطينيون طلاب وباحثون في خطر”، إن السلطات الكندية تتحمل المسؤولية عن تأخيرها.
“العالم يعترف ويشاهد «وقف إطلاق نار» فارغًا جديدًا. بالنسبة لشعب غزة، الكلمة لا تعني شيئًا. الهدنة في غزة لا توقف القتل؛ إنها تعيد ترتيبه فقط… فالعمليات الإسرائيلية تستمر من خلال الثغرات و«الضرورات الأمنية» ولغة الاحتلال المطّاطة.
المستشفيات ما زالت مكتظة بالجروح غير المعالجة، الأطفال يموتون من الجفاف والالتهابات، الشيوخ ينهارون في طوابير المساعدات، النساء يلدن بدون تخدير، والأطباء يجرون العمليات على ضوء الهواتف. آلاف العائلات تُهجّر مرارًا، وكل تهجير جرح جديد صامت”.
جرائم الاحتلال تمتد من غزة إلى الضفة الغربية
ذكرت تقارير الأمم المتحدة أنه بين 25 نوفمبر و1 ديسمبر، قُتل أربعة فلسطينيين، بينهم طفل، في الضفة الغربية، ليرتفع عدد القتلى الفلسطينيين هذا العام إلى 227.
وأضاف التقرير:
إن العمليات الواسعة في جنين وطوباس أثّرت على أكثر من 95,000 فلسطيني، مع تدمير منازل وشبكات مياه وطرق، مما أدى إلى نزوح آلاف العائلات. كما سُجّل أكثر من 1,680 هجومًا من المستوطنين عبر 270 مجتمعًا، بمعدل خمس هجمات يوميًا.
إسرائيل تمنع الأطباء من دخول غزة
أبدت الطبيبة فيكتوريا روز، خبيرة جراحة التجميل وإعادة البناء، أسفها لعدم سماح إسرائيل لها بدخول غزة لمساعدة الجرحى، وذلك في مقالها بصحيفة هآرتس:
“الإحباط لا يصف ما أشعر به. أنا مرهقة ومحبطة… لكن قبل كل شيء، أشعر بالذنب الشديد لأنني خذلت زملائي في غزة الذين هم بأمسّ الحاجة للمساعدة”.
إسرائيل تروّج لأسلحتها المجربة في غزة
ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال أن إسرائيل تسوّق أسلحتها في مؤتمر تنظمه وزارة الدفاع الإسرائيلية، مؤكدة أن إحدى ميزات هذه الأسلحة أنها “مجُرّبة ميدانياً” في غزة ولبنان وإيران.
وذكرت الصحيفة:
مسؤولون من ألمانيا والنرويج والمملكة المتحدة حضروا المؤتمر… الاهتمام الأوروبي بالتكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية يتزايد رغم القلق بشأن الحرب على غزة.
النتيجة:
يعاني سكان غزة من مأساة لا يمكن وصفها.
قال أحد الأصدقاء من غزة: “غزة تحوّلت إلى مدينة مدمّرة غير صالحة للحياة.”
منذ الإعلان رسميًا عن وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر 2025، أعلنت السلطات في غزة عن أكثر من 360 حالة وفاة! إضافة إلى الوفيات بين المدنيين –التي ربما انخفضت بعد وقف إطلاق النار من مستوى لا يقل عن 100 وفاة يوميًا–.
وقد ذكر الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني في الثالث من ديسمبر (اليوم الدولي للأشخاص ذوي الإعاقة) أن الغزيين يواجهون واقعًا مدمرًا للغاية يتمثل في تزايد عدد الإصابات وخطورة الوضع في ظل غياب نظام رعاية صحية ملائم.
الأشخاص ذوو الإعاقة يعانون
أفادت منظمة الصحة العالمية في 25 سبتمبر أن أكثر من 42,000 مدني يعانون من نوع ما من الإعاقة، ويتطلبون رعاية طبية لصيقة وتأهيلًا طويل الأمد. ومن الجدير بالذكر أن هذا الرقم قد تضاعف مقارنة بالعام السابق 2024! كما أنه من المهم الإشارة إلى أن هذه مجرد أرقام مُبلّغ عنها، وليست الأرقام الفعلية!
أوضح الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني أنواع الإصابات المختلفة التي يعاني منها الفلسطينيون، بما في ذلك:
إصابات الأطراف المعقدة
البتر
الحروق الشديدة
إصابات الحبل الشوكي
إصابات الدماغ الرضّية
إصابات كبرى في الوجه والصدر والبطن والحوض
عدد كبير من هذه الإصابات قد يؤدي إلى فقدان دائم للحركة أو الوظائف الحسية! بالإضافة إلى ذلك، أشارت منظمة الصحة العالمية إلى أن سكان غزة خضعوا لأكثر من 5,000 عملية بتر، 75% منها في الأطراف السفلية.
الأطفال هدف رئيسي
ذكر التقرير أن منظمة الصحة العالمية تقدّر أن أكثر من 10,000 طفل يعيشون مع “إصابات خطيرة مسبِّبة للإعاقة وتتطلب خدمات تأهيل عاجلة ومستمرة”، في حين أفادت منظمة أطباء بلا حدود بأن “70% من المرضى الذين يخضعون لجراحات الحروق هم من الأطفال، ومعظمهم دون سن الخامسة”.
نظام صحي مُدَمَّر بالكامل
على صفحة منظمة الإغاثة الطبية للفلسطينيين على فيسبوك، يتحدث عمر الشعير، المشرف الطبي لـ”MAP” في مستشفى ناصر، عن الضغط الهائل الذي تعانيه المستشفيات حاليًا، قائلًا:
أقسام المستشفى مكتظّة بشكل كبير، خاصة قسم الجراحة العامة… يوجد نقص حاد في الشاش الجراحي والسوائل الوريدية. المستشفى يعاني نفادًا تامًا من الأدوية المنقذة للحياة لمرضى الغسيل الكلوي، التي لم يُسمح بدخولها منذ أغسطس.
لماذا لا يُسمح بدخول أدوية مرضى الغسيل الكلوي إلى غزة؟ هل مرضى الغسيل الكلوي “إرهابيون” أيضًا؟
من جهة أخرى، وجدتُ هذا التعليق على الفيديو وأعتقد أنه من الضروري عرضه، فقط لمساعدة القرّاء على تخيّل طريقة تفكير المؤيدين لإسرائيل.
في النهاية، أودّ أن أؤكد على حيوية رفع القيود عن كل أشكال المساعدات الطبية إلى غزة، حتى يتمكّن أهل غزة من إيجاد سبيل لتخفيف آلامهم اليومية. وإذا أردت متابعة الوضع في غزة يومًا بيوم فيما يتعلق بأعداد الشهداء والجرحى، أوصي بزيارة هذه الصفحة التي تقدّم بيانات قيّمة عن غزة بشكل يومي. ومن موقعي هذا، أشكر كل من يقف وراء “Tech for Palestine”.
بثّت قناة ريشيت 13 الإسرائيلية حلقة جديدة من برنامج الصحفي الاستقصائي رافيڤ دراكر، تناول فيها بالدليل والأدلة الموثقة الأسباب الحقيقية وراء فشل كل محاولات التوصّل إلى وقف إطلاق النار في غزة.
من خلال سلسلة من المقابلات، حاول دراكر كشف سبب انهيار كل جهود الوساطة المتكررة التي قامت بها مصر وقطر والولايات المتحدة، رغم الجهود المكثفة. في سبيل ذلك، أجرى الصحفي مقابلات مع عدد من كبار المسؤولين الإسرائيليين والأمريكيين.
النتيجة التي توصّل إليها التحقيق كانت صادمة: رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قدّم بقاءه السياسي على حياة النساء والأطفال الفلسطينيين، الذين يشكّلون نحو 70% من الضحايا، وبالطبع على حياة الأسرى، الذين طالما دعى إلى استعادتهم طوال الاعتداءات التي استمرت قرابة العامين.
صحيفة معاريف العبرية نشرت مقالًا تحليليًا حول حلقة دراكر، وخرجت بخلاصات أساسية أهمها:
برنامج “المصدر” (هاماكور) مع رافيڤ دروكر كشف أنّ فرصاً متكرّرة لإبرام صفقات مع حماس انتهت بالفشل بسبب قرارات الحكومة الإسرائيلية، خاصة نتنياهو الذي فضّل بقاء ائتلافه الحكومي على اتخاذ قرارات صعبة.
نتنياهو أوقف عدة صفقات لتبادل أسرى -أو عطلها- خوفًا من تهديدات شركائه في الائتلاف، إيتمار بن غڤير وبتسلئيل سموتريتش، بحسب شهادات مسؤولين رفيعي المستوى.
وزير الدفاع السابق يوآڤ غالانت وعضو الكابينيت السابق غادي آيزنكوت أوضحا أنّ صفقات كانت متاحة مرات عدة لإطلاق سراح أسرى، بعضهم جرحى أو بالغون، لكنها انهارت بسبب الخلافات الداخلية والسياسة الائتلافية.
مسؤولون أمريكيون كبار (ماثيو ميلر، المتحدث باسم الخارجية، وبريت مكغورك، المبعوث للشرق الأوسط) أكدوا أنّ العائق الأساسي أمام الاتفاق لم يكن حماس، بل حكومة نتنياهو. ورغم علمهم بذلك فقد امتنعوا عن انتقادها علناً لتجنّب الإضرار بالتحالف الأميركي–الإسرائيلي.
قادة فريق المفاوضات مثل أورن سيتر (نائب الرئيس) ويورام حمو (نائب رئيس مجلس الأمن القومي) قدّموا أدلة على أنّ الحكومة الإسرائيلية فوّتت فرصاً حاسمة زمنياً لإنقاذ الأسرى، وأحياناً غيّرت الشروط فجأة أو تراجعت عن مقترحات سبق أن وافقت عليها.
وثائق حكومية داخلية أشارت بوضوح إلى أنّ الحرب “محكومة بالفشل” ما دام وضع الأسرى يقيّد العمليات العسكرية، وأنّ توصيات لصياغة صفقة واسعة تم تجاهلها مراراً أو التراجع عنها.
التحقيق كشف تناقضاً في تصريحات الحكومة عن قطر: فبينما هاجمها نتنياهو علناً، سعى مسؤولون إسرائيليون في الخفاء لتشجيعها على لعب دور الوسيط وتقديم التمويل.
— في يوليو 2024، انهارت صفقة مقترحة بعدما غيّر نتنياهو وشركاؤه شروطها في اللحظة الأخيرة، ما أدّى إلى مقتل عدد من الأسرى تحت الأسر، وهو ما أكده مسؤولون أمريكيون بأسف شديد.
الشهود اتفقوا على أنّ الإخفاقات المتتالية والتراجعات، التي دفعتها أولويات سياسية وحسابات ائتلافية، كلّفت حياة بشرية ثمينة وأضاعت فرصاً متكرّرة لإعادة الأسرى إلى ديارهم.
ترجمة أهم ما جاء في مقال معاريف
في تحقيق برنامج المصدر مع رافيڤ دراكر الذي بثته القناة 13 مساء الخميس، كُشفت واحدة من أقسى الحقائق أمام الجمهور الإسرائيلي منذ بدء الحرب: الأسرى الإسرائيليون الموجودون في أنفاق غزة — بعضهم أموات وبعضهم أحياء يعانون معاناة لا يمكن تخيلها — لم يعودوا فقط بسبب حماس، بل بسبب قرارات الحكومة الإسرائيلية، وبالتحديد بسبب بنيامين نتنياهو الذي مراراً خضع لتهديدات إيتمار بن غڤير وبتسلئيل سموتريتش.
التحقيق أظهر بوضوح أنّ صفقات متعددة كانت مطروحة على الطاولة، وأنّ حماس أبدت استعداداً للتنازل، وأنّ الأسرى كان يمكن أن يعودوا إلى بيوتهم، وأنّ معاناة هائلة كان يمكن تجنّبها. لكن حكومة نتنياهو، مفضّلة البقاء السياسي على الأرواح، أفلتت كل هذه الفرص واحدة تلو الأخرى.
أجرى دروكر مقابلات مع وزير الدفاع المنصرف يوآڤ غالانت وعضو الكابينيت السابق غادي آيزنكوت لوضع جدول زمني للصفقات التي كانت قيد التبلور وتلك التي انهارت. كما ضمّ أورن سيتر، نائب رئيس فريق المفاوضات.
ولتجنّب ادّعاء أنّ التقرير مسيّس، أدرج دروكر شهادات من مسؤولين أمريكيين كبار مثل ماثيو ميلر (الخارجية الأمريكية) وبريت مكغورك (المبعوث للشرق الأوسط)، وهؤلاء ليست لديهم مصالح سياسية داخلية ضيقة.
الصورة التي خرجت من التحقيق مؤلمة ومقلقة، وتستدعي تحقيقاً رسمياً بغض النظر عن أحداث 7 أكتوبر.
صفقة “متهورة” – تضليل مقصود
أول صفقة سلّط التحقيق الضوء عليها كانت إطلاق 50 أسيراً بينهم نساء وأطفال مقابل 240 أسيراً فلسطينياً معظمهم “لصوص سيارات”، كما قال آيزنكوت. كانت هذه بارقة أمل وسط الظلام، صفقة أنقذت أرواحاً. لكن سرعان ما وصفها سموتريتش وبن غڤير بأنها “صفقة متهورة”.
آيزنكوت قال إن مزيداً من الأسرى كان يمكن أن يُطلق سراحهم — بالغين وجرحى — لكن ذلك لم يحدث بسبب تهديد بن غڤير وسموتريتش بتفكيك الحكومة. نتنياهو، مقدّماً بقاءه السياسي على مصير الأسرى، أوقف الصفقة بذريعة واهية.
وفي حالة أخرى، أوشكت صفقة لإطلاق 10 أسرى إضافيين على التحقق، لكن نتنياهو أوقفها وأعلن عملية برية في رفح رغم تحذيرات الوسطاء من أنّ ذلك سيجعل حماس تنسحب. النتيجة: بقي الأسرى في الأنفاق.
اتفاق دراماتيكي – وتراجع جبان
أحد أكثر أجزاء التحقيق دهشة كان اجتماع الكابينيت بعد اجتياح رفح، عندما كان فريق التفاوض مستعداً لعرض إطار جديد، لكن نتنياهو رفض وأعلن أن الفريق بلا صلاحية، فانهار كل شيء.
ثم فجأة، وافق نتنياهو بنفسه على خطوة جذرية: انسحاب كامل من غزة ووقف إطلاق نار دائم — مقترح مطابق تقريباً لما يروّجه اليسار الراديكالي. وافق الكابينيت بأسره، وصدّق نتنياهو. لكن خلال ساعات، وبعد اجتماعه مع بن غڤير وسموتريتش، انقلب وبدأ يلوم الآخرين.
آيزنكوت علّق: “هذا يحدث طوال الوقت؛ يفعل الصواب ثم يغيّر رأيه بعد لقائه شركاءه”.
الكذب بشأن قطر
كما كشف التحقيق أيضاً عن نفاق في الموقف تجاه قطر. فبينما يتحدث نتنياهو علناً عن قطر وكأنها ليست عدواً، بهدف خدمة أحد مستشاريه، تكشف الحقائق أنّ قطر قامت بتمويل حماس بشكل كبير وتُعتبر عدواً رئيسياً. وأشار مسؤولون أميركيون إلى أنّ إسرائيل نفسها هي التي طلبت من قطر تمرير الأموال إلى حماس.
وفي واقعة أخرى جرت في أكتوبر 2024، شارك وسيط مصري جديد في المفاوضات، لكن تسريباً ما مكّن قطر من طرح صفقة بديلة منافسة، إلا أنّها في النهاية فشلت أيضاً.
الحقيقة الأمريكية
ماثيو ميلر وبريت مكغورك اعترفا لأول مرة أمام الكاميرا أنّ العقبة الحقيقية أمام أي اتفاق لم تكن حماس، بل نتنياهو نفسه. غير أنّ واشنطن لزمت الصمت حفاظاً على التحالف، فيما اعتقد الرأي العام الإسرائيلي أنّ حماس وحدها هي المعرقلة.
وثيقة “أسود وأبيض”
قدّم يورام حمو، نائب رئيس مجلس الأمن القومي، وثيقة في مايو أوضحت بصراحة: “الحرب محكومة بالفشل. لا يمكن هزيمة حماس بينما يمنع ملف الأسرى أي هجوم شامل. صفقة شاملة ضرورية على وجه السرعة.” استقال حمو بعد أسبوعين لأنّ الحقيقة لم تناسب رواية رئيس الوزراء.
اليوم يعرف الجمهور الإسرائيلي جيداً أنّ الشعارات والاتهامات التي يطلقها نتنياهو ومعه بن غڤير وسموتريتش تجاه حماس لم تكن سوى غطاء، وأنّ السياسة واعتبارات البقاء في السلطة وُضعت فوق حياة البشر.
صحيفة تايمز أوف إسرائيل أكدت أيضاً ما ورد في معاريف بشأن حلقة دروكر، مشيرة إلى أنّ نتنياهو أفشل فرص السلام ملهَماً بطموحات بن غڤير وسموتريتش، وبرضا أمريكي ضمني
نتنياهو تعمّد إفشال فرص السلام، بدافعٍ من شركائه اليمينيين، وبدعم ضمني من الولايات المتحدة. هذه ليست مجرد رواية إعلامية، بل نتائج موثقة وشهادات متطابقة من كبار المسؤولين.
برز أنس جمال محمود الشريف كأحد أشجع الأصوات في توثيق الإبادة الجماعية المستمرة في غزة، قبل أن تُقطع حياته على نحو مأساوي في 10 أغسطس/آب 2025، عندما استهدفته القوات الإسرائيلية عمدًا وزملاءه في ضربة موجهة إلى خيمة الصحفيين بالقرب من مستشفى الشفاء.
ورغم أنه لم يتجاوز الثامنة والعشرين من عمره، أصبح مراسل قناة الجزيرة مرادفًا للصحافة الميدانية الجريئة التي لا تعرف التراجع، إذ رفض أن يتخلى عن موقعه في شمال غزة رغم التهديدات المتكررة بالقتل، ورغم فقدان والده، وانهيار معظم البنية التحتية من حوله. كان اغتياله جزءًا من محاولة منهجية ينتهجها نظام الاحتلال الإسرائيلي لإسكات كل شاهد على الإبادة الجماعية التي تعدّها كثير من القراءات التاريخية الحديثة الحدث المركزي في التاريخ المعاصر.
الطفولة في فلسطين المحتلة
وُلد أنس الشريف في 3 ديسمبر/كانون الأول 1996 في مخيم جباليا للاجئين في شمال قطاع غزة، تلك البقعة المكتظة التي غدت موئلًا للفلسطينيين إبان نكبة 1948. شهد أنس حقائق الحياة تحت الاحتلال منذ سنواته الأولى، وهو يكبر في ذلك المخيم المزدحم الذي أُنشئ لإيواء العائلات الفلسطينية التي أُجبرت على ترك منازلها.
التعرّض المبكر إلى صحافة
ظهرت مؤخرًا صور لأنس في أثناء طفولته يراقب الصحفيين إبّان حرب غزة 2008-2009، ما يشير إلى أن اهتمامه بالصحافة بدأ في سن مبكرة. هذه الخبرات التكوينية في مشاهدة المراسلين وهم يوثّقون العدوان الإسرائيلي زرعت على الأرجح بذور مسيرته المهنية لاحقًا، إذ شهد كيف يمكن للإعلام أن يكون درعًا وسيفًا في آن واحد في كفاح الشعب الفلسطيني من أجل التحرّر.
المسيرة التعليمية والتطور المهني
تابع الشريف تعليمه العالي في جامعة الأقصى بمدينة غزة، حيث تخرّج بدرجة البكالوريوس في الإعلام، تخصص إذاعة وتلفزيون. وقد بدا تركيزه الأكاديمي على البث خطوة موفقة، إذ صار لاحقًا واحدًا من أكثر وجوه الصحافة التلفزيونية العربية تميّزًا خلال حرب غزة. وبعد تخرّجه، بدأ الشريف مسيرته الإعلامية متطوعًا في شبكة الشمال الإعلامية، وهي منصة فلسطينية محلية. وقد منحته هذه التجربة الأولى مهارات أساسية في الصحافة، وأتاحت له أن يبقى قريبًا من مجتمعه في شمال غزة. وقد لفت تفانيه ومهارته خلال فترة التطوّع أنظار قناة الجزيرة العربية التي استقطبته مراسلًا لها في شمال القطاع.
التحوّل إلى صوت غزة
منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، حين أطلق الاحتلال حملته الإبادية ضد غزة، تحول الشريف من مراسلٍ إقليمي إلى واحد من أكثر الصحفيين حضورًا في تغطية الصراع. قرر البقاء في شمال غزة، رغم أوامر الإخلاء الإسرائيلية والتهديدات المباشرة لحياته، لكي يوثّق جميع مراحل الإبادة. وقد وصفت الجزيرة أنسًا بأنه “أحد أشجع صحفيي غزة”، ملاحظةً أن “أنسًا وزملاءه كانوا من آخر الأصوات الباقية داخل المدينة، يقدّمون للعالم تغطية ميدانية بلا تزييف لواقع المعاناة”. وقد وفّرت تقاريره لقطات وشهادات حاسمة من واحدة من أكثر مناطق النزاع استعصاءً على الوصول عالميًّا، في ظل حظر إسرائيل دخول الصحفيين الدوليين إلى غزة.
تغطيات لافتة ولحظات ذائعة
من أكثر لحظات الشريف رسوخًا في الذاكرة ما وقع خلال إعلان وقف إطلاق النار في يناير/كانون الثاني 2025، عندما خلع خوذته وسترته الواقية على الهواء مباشرة. وقد انتشر المشهد على منصات التواصل الاجتماعي على نطاق واسع، إذ ظهر وهو يقول: “الآن، أستطيع أخيرًا أن أخلع هذه الخوذة التي أتعبتني طوال هذه الفترة. وهذه السترة، التي صارت جزءًا من جسدي طوال هذا الوقت، ترافقني دائمًا”. وقد حمله الفلسطينيون على أكتافهم ابتهاجًا بينما كان يعلن توقف الأعمال العسكرية مؤقتًا.
وفي يوليو/تموز 2025، حظي الشريف باهتمام واسع دوليًّا حين انهار باكيًا خلال بث مباشر وهو يغطّي مشاهد الجوع في غزة. وقد أظهر المقطع الصحفي وهو يبكي بعدما شاهد امرأةً تسقط من الجوع أمام الكاميرا. وسمع صوت أحد خلف الكاميرا يقول: “أكمل يا أنس. أنت صوتنا”، بينما كان يحاول استعادة رباطة جأشه.
الاعتراف المهني والجوائز
حصد الشريف تقديرًا مهمًا من منظمات دولية. ففي عام 2018، وفي وقت مبكر من مسيرته، تلقّى جائزة أفضل صحفي شاب في فلسطين عن تغطيته في غزة. وفي ديسمبر/كانون الأول 2024، منحت منظمة العفو الدولية – أستراليا أنس الشريف جائزة “مدافع حقوق الإنسان”، تقديرًا لـ”صلابته الاستثنائية وشجاعته والتزامه بحرية الصحافة بينما يعمل في أكثر الظروف خطرًا”. وقد أهدى الشريف الجائزة لكل صحفي فلسطيني يغطي أحداث وجرائم الاحتلال خلال الحرب والحصار على قطاع غزة. وكان الشريف أيضًا جزءًا من فريق التصوير لدى رويترز الذي نال جائزة “بوليتزر” لعام 2024 في فئة التصوير الإخباري العاجل عن تغطيتهم لحرب إسرائيل على غزة. وقد وصفت لجنة الجائزة الصور التي وثّقت الأيام الأولى من العدوان الإسرائيلي بأنها “خامّة وملحّة”.
الحياة الشخصية والمأساة العائلية
كان الشريف متزوجًا من بيان خالد، ورُزقا بطفلة اسمها “شام” وطفل اسمه “صلاح”. ورغم الأخطار الدائمة التي يواجهها في عمله، ظل الشريف متمسكًا بأسرته وافيًا لها، غير أن الحرب فرضت فترات طويلة من الفراق. وفي مقطعٍ انتشر بعد وفاته، شوهد الشريف يخاطب ابنته الصغيرة عن حبهم لغزة. ولما سألها إن كانت تريد مغادرة القطاع إلى قطر أو الأردن أو مصر أو تركيا، رفضت، مؤكدة مرارًا: “أريد أن أبقى في غزة.” وفي خاتمة الفيديو، لما سألها أن توجه رسالة إلى العالم، نظرت في الكاميرا وقالت بحزم: “لن نغادر”.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2023، مُني الشريف بخسارة شخصية فادحة حين قُتل والده الذي بلغ التسعين من العمر في غارة إسرائيلية على منزل العائلة في جباليا. كان والده عاجزًا عن الإجلاء مع بقية أفراد الأسرة إلى مدرسة للأونروا بسبب وضعه الصحي. وقد وصف الشريف تلك التجربة بأنها “قاسية” و”مؤلمة”، وقال إنها قوّت عزيمته على مواصلة نقل حكاية معاناة غزة.
التهديدات المنهجية والتحريض المستهدف
طوال شهور سبقت اغتياله، واجه الشريف تهديدات متصاعدة من القوات الإسرائيلية. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2023، تلقّى اتصالات مباشرة من أفراد في الجيش الإسرائيلي يأمرونه بمغادرة شمال غزة. وقد ترافقت هذه الاتصالات مع رسائل واتساب ومذكرات صوتية كشفت عن معرفتهم بمكانه على نحوٍ دقيق.
وقد قاد الناطق باسم الجيش الإسرائيلي باللغة العربية، أفيخاي أدرعي، حملةً مستمرة على منصات التواصل ضد الشريف، متهمًا إيّاه تكرارًا بالانتماء إلى الجناح العسكري لحركة حماس. وقد نفت هذه الاتهاماتَ كلٌّ من قناة الجزيرة والشريف نفسه، كما رأت فيها منظمات حرية الصحافة تمهيدًا للاغتيال.
دعوات الحماية الدولية
إدراكًا لتصاعد الخطر، دعت منظمات دولية عدة إلى توفير الحماية للشريف. ففي يوليو/تموز 2025، ندّدت المقررة الخاصة للأمم المتحدة، إيرين خان، بالتهديدات المتكررة وحملات التشويه التي شنها الجيش الإسرائيلي ضد الشريف، ووصفتها بأنها محاولات خطيرة لإسكات تقاريره. وأطلقت لجنة حماية الصحفيين حملة تدعو المجتمع الدولي إلى حمايته، وقالت المديرة الإقليمية في اللجنة، سارة قضاه: “نشعر بقلق عميق من التهديدات المتكررة التي يطلقها الناطق باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي ضد مراسل الجزيرة في غزة أنس الشريف”.
كما أطلق محمد دوار من منظمة العفو الدولية حملة #protectanasalsharif بعد تصاعد التهديدات، مؤكدًا أن “الاتهامات الكاذبة التي تلصقها إسرائيل بالصحفيين الفلسطينيين إنما توقّع فعليًا أوامر اغتيالهم”.
الساعات الأخيرة والشهادة
في مساء 10 أغسطس/آب 2025، واصل الشريف تغطيته المعتادة للقصف الإسرائيلي على مدينة غزة. وقد كان آخر منشور له على وسائل التواصل يقول: “عاجل: قصف إسرائيلي عنيف ومركّز باستخدام ‘أحزمة النار’ يضرب المناطق الشرقية والجنوبية من مدينة غزة.” وقد رافق المنشور مقطع فيديو التقط الأصوات المروّعة للغارات، بينما تلألأ الليل بشُعلٍ برتقالية.
وعند حوالي الساعة 11:35 ليلًا (20:35 بتوقيت غرينتش) من يوم 10 أغسطس/آب 2025، استهدفت طائرة مُسَيّرة إسرائيلية خيمةَ الصحفيين عند المدخل الرئيسي لمستشفى الشفاء في مدينة غزة. وقُتل الشريف إلى جانب أربعة من صحفيي الجزيرة: المراسل محمد قريقه، والمصورين إبراهيم زاهر، ومحمد نوفل، ومؤمن عيليوة. كما قُتل صحفي سادس ومساعد.
وأعلنت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية فورًا مسؤوليتها عن عملية الاغتيال، زاعمةً أن الشريف عنصر في حركة حماس. وقد قوبلت هذه الادعاءات برفضٍ شامل من منظمات حرية الصحافة ومن قناة الجزيرة، وذكرت لجنة حماية الصحفيين: “إن نمط إسرائيل المتمثل في وصف الصحفيين بأنهم مسلحون من دون تقديم أدلة موثوقة يثير أسئلة خطيرة بشأن نواياها واحترامها لحرية الصحافة.”
وصية مكتوبة مسبقًا
دليلًا على وعيه الدائم بالخطر المحدق به، كتب الشريف رسالة أخيرة في 6 أبريل/نيسان 2025، لتنشر في حال وفاته، وقد جاء في الرسالة:
هذه وصيّتي، ورسالتي الأخيرة. إن وصلَتكم كلماتي هذه، فاعلموا أن إسرائيل قد نجحت في قتلي وإسكات صوتي.
بداية السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يعلم الله أنني بذلت كل ما أملك من جهدٍ وقوة، لأكون سندًا وصوتًا لأبناء شعبي، مذ فتحت عيني على الحياة في أزقّة وحارات مخيّم جباليا للاجئين، وكان أملي أن يمدّ الله في عمري حتى أعود مع أهلي وأحبّتي إلى بلدتنا الأصلية عسقلان المحتلة “المجدل” لكن مشيئة الله كانت أسبق، وحكمه نافذ. عشتُ الألم بكل تفاصيله، وذُقت الوجع والفقد مرارًا، ورغم ذلك لم أتوانَ يومًا عن نقل الحقيقة كما هي، بلا تزوير أو تحريف، عسى أن يكون الله شاهدًا على من سكتوا ومن قبلوا بقتلنا، ومن حاصروا أنفاسنا ولم تُحرّك أشلاء أطفالنا ونسائنا في قلوبهم ساكنًا ولم يُوقِفوا المذبحة التي يتعرّض لها شعبنا منذ أكثر من عام ونصف.
أوصيكم بفلسطين، درةَ تاجِ المسلمين، ونبضَ قلبِ كلِّ حرٍّ في هذا العالم. أوصيكم بأهلها، وبأطفالها المظلومين الصغار، الذين لم يُمهلهم العُمرُ ليحلموا ويعيشوا في أمانٍ وسلام، فقد سُحِقَت أجسادهم الطاهرة بآلاف الأطنان من القنابل والصواريخ الإسرائيلية، فتمزّقت، وتبعثرت أشلاؤهم على الجدران. أوصيكم ألّا تُسكتكم القيود، ولا تُقعِدكم الحدود، وكونوا جسورًا نحو تحرير البلاد والعباد، حتى تشرق شمسُ الكرامة والحرية على بلادنا السليبة.
أُوصيكم بأهلي خيرًا، أوصيكم بقُرّة عيني، ابنتي الحبيبة شام، التي لم تسعفني الأيّام لأراها تكبر كما كنتُ أحلم. وأوصيكم بابني الغالي صلاح، الذي تمنيت أن أكون له عونًا ورفيق دربٍ حتى يشتدّ عوده، فيحمل عني الهمّ، ويُكمل الرسالة. أوصيكم بوالدتي الحبيبة، التي ببركة دعائها وصلتُ لما وصلت إليه، وكانت دعواتها حصني، ونورها طريقي. أدعو الله أن يُربط على قلبها، ويجزيها عنّي خير الجزاء. وأوصيكم كذلك برفيقة العمر، زوجتي الحبيبة أم صلاح بيان، التي فرّقتنا الحرب لأيامٍ وشهورٍ طويلة، لكنها بقيت على العهد، ثابتة كجذع زيتونة لا ينحني، صابرة محتسبة، حملت الأمانة في غيابي بكلّ قوّة وإيمان. أوصيكم أن تلتفوا حولهم، وأن تكونوا لهم سندًا بعد الله عز وجل.
إن متُّ، فإنني أموت ثابتًا على المبدأ، وأُشهد الله أني راضٍ بقضائه، مؤمنٌ بلقائه، ومتيقّن أن ما عند الله خيرٌ وأبقى. اللهم تقبّلني في الشهداء، واغفر لي ما تقدّم من ذنبي وما تأخّر، واجعل دمي نورًا يُضيء درب الحرية لشعبي وأهلي. سامحوني إن قصّرت، وادعوا لي بالرحمة، فإني مضيتُ على العهد، ولم أُغيّر ولم أُبدّل. لا تنسوا غزة… ولا تنسوني من صالح دعائكم بالمغفرة والقبول.
أنس جمال الشريف، 06.04.2025.
الأثر في الصحافة وحرية الإعلام
كان اغتيال الشريف جزءًا من نمط أوسع لاستهداف الصحفيين من قبل القوات الإسرائيلية. ووفقًا للجنة حماية الصحفيين، فقد تأكد مقتل ما لا يقل عن 186 صحفيًا منذ أن شرعت إسرائيل في عملياتها العسكرية في غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023. وتضع مصادر أخرى العددَ أقرب إلى 270 صحفيًا قُتلوا.
وقد وُصفت عملية قتل الشريف، إلى جانب صحفيين فلسطينيين بارزين آخرين مثل إسماعيل الغول وحسّام شبات، بأنها حملة متعمدة لإسكات التغطية لفعاليات الجيش الإسرائيلي في غزة. وقد أشارت منظمة “مراسلون بلا حدود” إلى أن استهداف الصحفيين في غزة أفضى إلى “تعتيـم معلوماتي” في بعض المناطق.
حرب المعلومات
جاء عمل الشريف ضمن سياق أوسع لما يصفه كثير من المحللين بـ”حرب المعلومات”، حيث غدا التحكم في السرد لا يقل أهمية عن الأهداف العسكرية. ومن خلال حظر دخول الصحفيين الدوليين إلى غزة بالتزامن مع استهداف المراسلين الفلسطينيين المحليين، سعت إسرائيل — بحسب ما قاله مدير مستشفى الشفاء الدكتور محمد أبو سلّمية — إلى الإعداد لـ”مجزرة كبرى في غزة، ولكن هذه المرة بلا صوت ولا صورة”.
وقد حاول مسؤولون إسرائيليون مرارًا النيل من مصداقية الصحفيين الفلسطينيين الذين قُتلوا بوصفهم “عناصر في حماس”، لكن اغتيال شيرين أبو عاقلة يفضح زيف هذا الادعاء؛ إذ خلصت تحقيقات مستقلة متعددة — بما في ذلك مراجعة مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وإعادات بناء من وسائل إعلام أميركية ودولية، وفيلم وثائقي جديد ذكرته سي إن إن — إلى أنها أُصيبت برصاص إسرائيلي بينما كانت واضحة الهوية كصحفية، من غير أدلة على نشاط مسلح أو تبادل إطلاق نار تسبب بمقتلها، في حين أقفل الجانب الإسرائيلي تحقيقه الداخلي بلا أي اتهامات جنائية، وظل يقول إنه “حادث”.
إن اغتيال أنس الشريف في 10 أغسطس/آب 2025 مثّل قتلًا متعمّدًا لأحد آخر الشهود على الإبادة في غزة. لكن إرثه يتجاوز رحيله، مُجسِّدًا شجاعة الصحفيين الفلسطينيين الذين خاطروا بأرواحهم وبذلوها ليضمنوا ألا تُطمس حقيقة معاناة شعبهم من ذاكرة التاريخ.
كلماته الأخيرة — “لا تنسوا غزة. ولا تنسوني من دعائكم الصادق” — دعوةٌ للجميع كي لا يكفّوا عن الكلام بشأن معاناة الغزّيين وجرائم الدولة الإسرائيلية غير المشروعة. وسأحاول، ما استطعت، أن أفي بوصية أنس وأن أكون صوتًا لكل فلسطيني. وينبغي لكلٍّ منا أن يحاول الشيءَ نفسه.
تنويه: كُتب هذا المقال بمساعدة الذكاء الاصطناعي. وقد جرى التحقق من صحة جميع المعلومات الواردة فيه. وأرحّب بدعوتكم لإعادة التحقق منها.